الجمعة، 8 أبريل 2016

العوامل المؤثرة علي إختيار الأستراتيجية ( الخطة العشرية الشاملة للسودان ( 1992 ـ 2002م ) دراسة حالة )



المقدمة

    تعتبر الإستراتيجية من مجالات الدراسة التي نالت إهتماماً واسعاً في العقود الثلاثة الأخير من القرن العشرين وذلك إستجابة للضغوط والمؤثرات البيئية الهائلة التي واجهها الإنسان. وتستمد كلمة الإستراتيجية جذورها من الكلمة اليونانية والتي إرتبط مفهومها بالخطط المستخدمة في إدارة المعارك وفنون المواجهة العسكرية ، إلا أنها إمتدت بعد ذلك إلى مجال الفكر الإداري وجميع المجالات وصارت مفضلة الإستخدام لدى منظمات الأعمال وغيرها من المنظمات الأخرى المهتمة بتحليل بيئتها وتحقيق المبادرة والريادة في مجال نشاطها . فقد عرفت الإستراتيجية بأنها  رسم الإتجاه المستقبلي وبيان للغايات على المدى البعيد ، وإختيار النمط الإستراتيجي المناسب لتحقيق ذلك في ضوء العوامل والمتغيرات البيئية الداخلية والخارجية ، ثم تنفيذ الإستراتيجية ومتابعتها وتقييمها.
ويبدو إن عملية اختيار وتنفيذ الأستراتيجية من أصعب الامور التي تواجه الدول والمؤسسات يرجع ذلك الي ان هنالك ثمة مجموعة من المؤثرات التي تقف حائلاً امام عملية اختيار الاستراتيجية يجئ هذا البحث متناولاً أهم العوامل التي تؤثر علي عملية اختيار الاستراتيجية كما يتناول جانب تطبيقي علي الخطة القومية العشرية للسودان في الفترة من 1992 ـ 2002 م .

أولاً : الجانب النظري العوامل المؤثر علي إختيار الاستراتيجية :

    إن من أهم المقومات لإيجاد استراتيجية او تخطيط فعال هي ملائمة العوامل المؤثرة خارجياً وداخلياً مما يترتب عليه دراسة هذه العوامل دراسة دقيقة ومتزنة على الوضع في الاعتبار المتغيرات المحلية والدولية وكذا دراسة البيئة المحلية والإقليمية والدولية ومن أهم هذه العوامل :
أ/ العوامل الاقتصادية :
 وهي دراسة الإمكانات المادية والاقتصادية المتاحة إذ قد يكون للأحوال الاقتصادية الخارجية أثر على عملية التخطيط لاختيار وتنفيذ الاستراتيجيات خاصة فيما يتعلق بالسياسات القطرية التي تؤدي إلى مقاطعات اقتصادية أو إيقاف تمويل لمشروعات حيوية .
ب/ العوامل البشرية :
إن أهمية السكان في قوة الدولة تحظى بقبول عام من علماء العلاقات الدولية و نقصد بالسكان هنا العنصر البشري ووزنه كعامل من عوامل قوة الدولة و هنا يجب أن نراعي العوامل الكمية و الكيفية في العامل الديمغرافي
.ـ العوامل الكمية : تتجلى أهمية العامل السكاني في تشكيل القوة العسكرية اللازمة للحرب ، كما أن بعض الدول الاستعمارية حاولت الاعتماد على مستعمراتها في توفير القدرات البشرية اللازمة لآلتها العسكرية ، كذلك تؤثر الكثافة السكانية على الأهمية العسكرية من حيث أن الدول ذات الكثافة الضئيلة هي موضوع مطامع خارجية أما الدول ذات الكثافة العالية هي مؤمنة لحد ما من هذه الأطماع ، تتجلى أيضا أهمية التعداد السكاني في المستوى الاقتصادي حيث أن العامل البشري عنصر أساسي في عملية الإنتاج كما أن السوق الاستهلاكية هي الضمان الأكيد لازدهار الإنتاج الوطني ، و من جهة أخرى يشكل الضغط السكاني عاملا فعالا من عوامل النزاع الدولي بل كثيرا ما يحاول المحللون رد أسباب التوتر الاجتماعي بشتى صوره إلى الضغط الكمي للسكان
.ـ العوامل الكيفية : قد يؤثر في قيمة الكم السكاني كارتفاع نسبة الإناث بالنسبة للذكور وكذلك الحال بالنسبة لسلم الأعمار فقد يتوافق تباين نسبة الشباب الذكور من العدد الكلي للسكان مع درجات القوة الاقتصادية للدولة و كذا مع درجات القوة الإستراتيجية كذلك .درجة التجانس الاجتماعي لعناصر الكم البشري: أي تحقيق الوحدة الداخلية ترتبط بدرجات التجانس الاجتماعي
.ـ التقدم الثقافي و الاجتماعي : السكان المثقفون و المتقدمون تكنولوجيا قادرون على تحمل مسؤوليات الدولة.
 وهي الأفراد أو المجتمع لمعرفة مدى استعداده لتقبل هذا التخطيط والتفاعل معه خاصة إذا ارتبط هذا التخطيط ببعض العقبات المؤثرة على الدخل الشخصي والمتطلبات اليومية .
ج/ العوامل السياسية :
ومدى تأثيرها في طبيعة التخطيط والنشاطات التي يحققها التخطيط وتأثيرهما
د/ عوامل أخرى ويدخل فيها المتغيرات ذات الأثر على التخطيط والخطة وملائمة الظروف الداخلية بصورة مناسبة من توفر الموارد وغيره من الأمور الأساسية.ويقدر ملاءمة هذه العوامل بقدر ما يتحقق من مردود عال من التخطيط الفعال لاختيار الاستراتيجياات
 المخطط الفعال: ويعتبر الفرد الذي يقوم بالتخطيط من أهم مقومات عملية التخطيط ، لذلك يجب أن يتصف بمجموعة أساسية من الصفات ومن هذه الصفات:
أ/ الالتزام بالقيم والمبادئ .
ب/ العلم المتخصص .
ج/ اتساع دائرته المعرفية .
د/ حسن التوقع .
هـ/ المعرفة الكافية بأسس عملية التخطيط .
وهذا يلزم تحقيق إجماع الآراء والالتزام الأهداف والاستراتيجيات من جانب العاملين الرئيسيين ، مع واقعية خطط العمل والجداول الزمنية والموارد والاتفاق عليها من جانب جميع المعنيين وكذلك فهم واضح للأدوار والمستويات اللازمة لأداء المهام المطلوبة .
إن المخطط الاستراتيجي الفعال يحتاج إلى نظام متابعة دقيقة لتنفيذ المهام بما يتفق مع الاستراتيجية الموضوعة وتوقيتاتها وكذا التجاوب مع المتغيرات والدروس المستفادة التي تبرز من خلال التنفيذ. إن النظام الدقيق للتنفيذ يحتاج أيضاً إلى نظام لتقييم خطوات التنفيذ أثناء القيام بها على نحو يؤدي إلى اتخاذ ما يلزم من تصحيحات لضمان تحقيق النتائج المرجوة ، هذا إضافة إلى نظام تقييم نهائي لقياس مدى تحقيق المشروع للأهداف الموضوعة له .
العامل العسكري
ينظر الكثيرون إلى درجة الاستعداد العسكري على أنه المظهر الرئيسي لقوة الدولة وهو بمثابة الاداة التنفيذية و يرتبط مستوى الاستعداد العسكري بعدة عوامل:

1
ـ التقدم التكنولوجي في إنتاج الأسلحة و في وسائل جمع المعلومات
 .2ـ القدرة على التخطيط الاستراتيجي و الذي يتفق و طبيعة مشكلة الأمن القومي التي تواجهها الدولة
.3ـ مدى كفاءة القيادات المسؤولة عن عمليات التخطيط الاستراتيجي
4ـ مدى كفاءة التدريب و كذا مستوى القدرة القتالية للقوات المسلحة في الدولة .
5ـ مدى القدرة على حشد طاقات الدولة و إمكانياتها بالسرعة الواجبة و في الظروف التي تضطرها لإجراء تعبئة شاملة لقواتها
. ـ العامل التكنولوجي:
   أدخل العامل التكنولوجي ثورة كلية على العلاقات الدولية حيث أضحى أهم ميزان في العلاقات الدولية بين عالم متقدم و آخر متخلف ، كما أدخلت الثورة التكنولوجية أساليب جديدة في الإنتاج و ساهمت في زيادة القدرة الاقتصادية للدول و طورت أساليب الزراعة و ضاعفت من مردوديتها و بصفة عامة تهيأ التكنولوجيا أكفا الوسائل لاستغلال الإمكانيات الطبيعية ، المادية و البشرية المتاحة للدولة كما أن التقدم التكنولوجي يزيد من القوة العسكرية حيث أصبحت تقاس بمدى قدرة الدول في إنتاج الأسلحة و في جمع المعلومات .كما تنعكس على العامل السكاني من حيث ترقية كيفه و كذا من حيث أنها تضبط أكثر فأكثر القياسات الكمية للسكان و تساعد في عملية الإحصاء ، ومن ناحية أخرى أثر العامل التكنولوجي على الدبلوماسية و أضحت ميكانيزمات اتخاذ القرارات على مستوى الدول و المنظمات أكثر وضوحا .
العامل التنظيمي:
إذا كان العامل التنظيمي يعني مباشرة المؤسسات الدستورية للدولة فإنه في الوقت نفسه يتوزع على مجموعة من المتغيرات مرتبط بالجوانب المعنوية للدولة
 .أ ـ العامل الإيديولوجي : هي منظومة من التصورات و الأفكار و الأوهام و المفاهيم التي تميز مجتمع ما . و لا يجوز للمحلل إغفال العنصر الإيديولوجي كعنصر تفسيري للظواهر الدولية فالإيديولوجية هي المحرك الرئيسي للسياسات الخارجية للدول لأنها تمثل اختلاف البيئات و الأفكار و المعتقدات المؤثرة على صناعة و اتخاذ القرار
 .ب ـ الروح الوطنية للدولة : الوحدة الوطنية هي تكامل الجماعة المشكلة للدولة تكاملا يسقط عنها أسباب التصادم المؤدي إلى الضعف ، و الوحدة الوطنية تتجسد أساسا في الدولة و هي الطريق المؤدي لرفع الروح المعنوية للدولة التي بدورها تشكل أحد الركائز التي ترتكز عليها قوة الدولة
.
ج ـ الاعتبارات المتعلقة بكفاءة الأجهزة السياسية و الدعائية و الدبلوماسية للدولة : تتوقف كفاءة الأجهزة السياسية للدولة على الاستقرار السياسي و على شكل النظام السياسي كدبلوماسية الدولة التي يقع عليها عبء تجميع هذه العوامل الطبيعية و الاجتماعية في كل واحد متكامل لكي تتحرك به في الطريق إلى تحقيق أهدافها الخارجية و ذلك بالأسلوب الدبلوماسي في زمني السلم و الحرب
.
د ـ شخصية و سلوك رجل الدولة : هو عامل يقوم أحيانا بدور بارز في تقرير الأهداف القومية للدولة و شخصية القادة السياسيين ، و المسؤولين ، كما يؤثر أيضا في قوة الدولة حيث نجد أن التغير في أنماط القيادات السياسية الحاكمة ينتج في أغلب الأحيان تغيرات هامة في الاتجاهات الخارجية للدولة و في بعض الحالات يكون نفوذ القائد السياسي و تأثيره على السياسة الخارجية مطلقا
خطوات وضع الاستراتيجية
إن عملية التخطيط الاستراتيجي واختيار الاستراتيجية الافضل حتى تتم في سياق منطقي تحتاج إلى خطوات أساسية وضرورية يمكن تحديدها في الآتي:
أ/ توفير نظام جيد للمعلومات.
ب/ التعرف على السياسة العامة للدولة.
ج/ حصر وتحديد الاحتياجات وتحديد الإمكانيات.
د/ وضع الأولويات .
هـ/ تحديد المشروعات وإعداد الدراسات الخاصة بها.
و/ وضع الخطة السنوية والخطط الفرعية.
ز/ وضع البرامج الزمنية للتنفيذ.
ح/ مراجعة الخطة الاستراتيجية .
ط/ تدبير التمويل اللازم للتنفيذ طبقاً للبرامج الزمنية .

القواعد الأساسية لعملية لعملية إختيار وتنفيذ الاستراتيجية :

   لكل عمل قاعدة أو مجموعة من القواعد تساعد في توضيح المتطلبات الرئيسية لتنفيذ ونجاح العمل وبالتالي فإن عملية تحديد الاستراتيجية تحتاج لقواعد أساسية لضمان نجاحها عليه يمكن تلخيص اهم هذه القواعد في الاتي :
أ/ التخطيط يأتي أولاً ويقصد به أن الوظائف الإدارية المقصود منها المساعدة في تنفيذ الخطة وبالتالي فلابد من التخطيط أولاً وإعداد الخطة وعلى ضوء ذلك تكون كفاءة وجودة ونجاح الاستراتيجية الافضل
ب/ الالتزام لابد من الالتزام بالأسس والخطوات الصحيحة للتخطيط الاستراتيجي ومن ثم الالتزام بما وضع فالخطة تستنفذ جهداً ووقتاً وتكلفة ، فلابد من مداومة المحافظة على هذا الجهد بالالتزام بما أسند إليه والالتزام الجاد بتنفيذ الاستراتيجية
ج/ المعلومات الصحيحة : إعداد قاعدة دقيقة للبيانات وهذا عنصر مهم من عناصر اختيار ووضع الاستراتيجيات وهو تجميع المعلومات الصحيحة والدقيقة وتكوين الفروض والاحتمالات المنطقية حتى تساعد في تحقيق النجاح
د/ التلازم : ويعتبر التخطيط الصحيح عنصراً اساسياً في نجاح عملية الرقابة بوضعها لمعايير رقابية دقيقة وصحيحة ، وكذلك تعتبر عملية الرقابة عنصراً مساعداً مهماً لتنفيذ الخطة الاستراتيجية والسير الصحيح بها فهناك تلازم وتكامل بينهما.
هـ/ المشاركة : إن مشاركة الأفراد المنفذين والمساهمين في وضع الاستراتيجية يكون من أهم الأمور في حدوث الفعالية للخطة فهو ادعى لقبولهم لما فيها واقتناعهم وحماسهم لتحقيقها.
د/ التنسيق : إن من أهم أسباب نجاح عملية التخطيط والتي يجب مراعاتها هي حسن التنسيق بين الجهات التي تشارك في تنفيذ الخطة وبين الخطط الرئيسية والخطط الفرعية.
ز/ الرجل المناسب في المكان المناسب . التخطيط الاستراتيجي قضية رابحة من حيث المبدأ ، تحتاج أن يقوم على تنفيذها أفراد على كفاءة للأدوار المطلوبة ويتم اختيارهم وفق الاحتياج ، فلابد من مناسبة الأفراد الفاعلين بالخطة للأدوار المنوطة بهم.
ح/ الوضوح : لابد أن يكون هنالك وضوح تام ومعرفة كاملة بالأهداف والسياسات للمستويات التي يتم التخطيط لها لجميع الأفراد القائمين بالتخطيط والتنفيذ للاستراتيجيات .
ط/ رقابة فعالة : لابد من ان تكون هنالك رقابة علي عملية تنفيذ الاستراتيجيات في جميع مراحلها ومستوياتها .

ثانياً : الجانب التطبيقي الخطة العشرية الشاملة للسودان ( 1992 ـ 2002م )

تختلف هذه الأستراتيجية عبر البرامج والخطط التى تسبقها من حيث الأتي

اولاً : خطة أصيلة كبرى لتسخير طاقات المجتمع المبدعة كلها والإعتماد على الذات وتستند عليها جميع الخطط الاستراتيجية التي جاءت بعدها .
ثانيا ً: حركة المجتمع الواسع للتخطيط لنفسه ونسبة حركة الدولة وأجهزتها
ثالثاً : تهتم لأول مرة بالإنسان بكل ابعاده كمحور إنساني تدور حوله الخطط والبرامج .
رابعاً: حددت أهداف كمية ونوعية واضحه أنبنى عليها التخطيط ورسمت إطار زمنياً معلوماً يتم فيه الإنجاز
.خامسا ً: تمتاز عن غيرها من الخطط بإتساق برامجها وخططها في القطاعات المختلفة وفق منظومة جامعة واحدة موحدة تربط الإصول الحاضر والمستقبل. ولقد كان التصور العام للاستراتيجية القومية الشاملة للسودان للعشر سنوات (1992 ـ 2002م) مبنية على خمسة محاور رئيسية :
أولاً: "أنها البداية الشاملة للتأصيل للنهضة الفكرية والتنمية التعاونية ، وتحريك المجتمع وتعبئة قواه في إطار ثوري حر ، يفجر الطاقات ويستنهض الهمم
ثانياً : "تخطيط شامل يستوعب كل قطاعات المجتمع السوداني في اتساق وتناغم لتحقيق النهضة الكاملة والطفرة الكبرى
ثالثاً : خطة شاملة للتوظيف الأمثل لمجمل الموارد والطاقات التي يذخر بها الوطن.
رابعاً : خطة طموحة تحي الأمل وتجدد الثقة في إمكانيات هذا الوطن المعطاء وترسم صورة لما يمكن أن يبلغه بجهد أبنائه إذا ما احكم التخطيط ، وصدق العزم وعلت الهمة وجود العمل
خامساً : خريطة هادية للتحول الحضاري نحو المجتمع الذي نصبو إليه ، مجتمع الحرية والعزة والمتعة والرفاهية والقيم الفاضلة
لقد هدفت الاستراتيجية القومية الشاملة للسودان (1992 ـ 2002م) لتحقيق الآتي:
1. تفجير طاقات المجتمع المبدعة كلها والاعتماد على الذات .
2.التخطيط لحركة المجتمع الواسع وليست على حركة الدولة وأجهزتها  البيروقراطية المحدودة.
3. الاهتمام بالإنسان كمحور أساسي تدول حوله الخطط والبرامج.
4. التخطيط لأهداف معينة في إطار زمني معلوم يتم فيه الإنجاز .
5. اتساق برامجها وخططها في القطاعات المختلفة وفق فلسفة جامعة تربط الأصول بالحاضر والمستقبل وتصل الدنيا بالآخرة.
        هذا يقودنا إلى تحديد خصائص معينة للاستراتيجية القومية ، وتتمثل أهم الخصائص في الإيجاز الآتي
1.وسيلة لتحقيق الأهداف فهي متغيرة ومتطورة .
2. تمثل علاقة عضوية بين مختلف القدرات والإمكانيات.
3. اعتمادها على نهج التحليل النقدي للواقع.
4.الاعتماد الأساسي على أكبر قدر من المعلومات وتحليلها.
5. تحقيق الأهداف السياسية التي تسعى لها.
6.لكل دولة أسلوب ونظرة مغايرة في التخطيط الاستراتيجي مما يجعل لكل دولة استراتيجيتها الخاصة بها .

     ولما كان التخطيط الإستراتيجي لاينطلق من فــراغ بـــل علي فلسفة ورؤية واضــحة فقد إستهدت الدولة في ذلـك بمؤتــمر الســــلام والمؤتمرالإقتصــادي والمؤتــمر الإجتــماعي وثــورة التــعليم ومــا خـطــــط فى مجـــال العـــلاقــــات الخارجيــــة والإعـلام والتـقانة والخـدمات وقضايا المــرأة والطــفولـة والشــباب والرياضــة والنــازحــين والعــدل والإصــلاح القانوني والنظام السياسـي الجديد وتأسيساً علي هذا وإعتماداً عليه حددت هذه الإستراتيجية الغــاية القـوميـة والإهــداف القومية على الوجه التالي:

الغاية القومية:

  
أن الغاية القومية التي تسعي الدولة لتحقيقها هي تأسيس نهضــة حضـــارية شاملة تُمــكن السودان من تحقيق ذاتيته وإشاعة الحريــات لأهله والإرتقاء بحياتهم وتحقيق المنعه التى تصون الوجود والقيم
وتقوم هذه الغاية علي المرتكزات الآتية :
القيم الفاضلة: ويقصد بها المعتقدات القومية الراسخة فى الدين والعقيدة والأعراف الحميـــدة والخـــلق القويــم والتراث القومي والثقافة الوطنية.
العزة : ويقصد بها الحرية بمعناها الشـــامل بما يـــحرر الإرادة الــوطــنية ويحــقق كرامــة الوطــن والمـــواطن
الحرية : ويقصد بها الحرية بمعناها الشامل بما يحرر الإرادة الوطنية ويحقق كرامة الوطن والمواطن.
الرفاه: ويقصد به تحقيق مستوى متقدم من الحيــــاة الطيــبة للمواطنين يؤكد حقوقهم الإنسانية والإجتماعية ويلى حاجاتهم الإنسانية ويرضى التطلعات العليا للأمة.

الأهداف القومية

أن الهدف المنشود هو تحقيق الأمن القومي الشامل وفق المرتكزات الآتية
 
أ_ أهداف إجتماعية :-
أن يكون السودان خير مجتمعات العالم للناس ديناً وخلقاً وثقافة ومعاشاً وبيئه , وأن يكون المجتمع مستقلاً عن السلطة في معظم حاجاته وسابقاً عليها فى مبادراته .
ب- أهداف سياسية :
أن يكمل السودان الإنتقال الي مرحلة الشرعية الدسـتورية وفـــق منهـــج شوري ديمقراطي ، ثوري وفعال ، وتحقيق السلام وتحقيق وحدة الوطن والمجتمع وتطبيق الحكم الإتحادي وإقامة النــظام السياســي الجديد.
ج- أهداف عسكرية وأمنية
تطوير قدرات الدولة الدفاعية بما يُمكنها من حماية أمنها وتحقيق الطمآنينة وبسط العدل للمواطنين .
د- أهداف السياسة الخارجية
أن يكون القرار السياسي أصيلاً متحرراً من الضغوط الخارجية وتكون القوى الدبلوماسية القدرة علي تنفيذ السياسات وخدمة مصالح البلاد وأن يكون السودان ذا فاعليه سياسية وعلاقات وحدوية وتكاملية فى كلا المحورين الأقليمي والدولي.
ه- أهداف إقتصادية
تُمكن السودان من تطوير قدراته الإقتصادية بما يجعله في طليعة دول العالم النامي.
و- أهداف علمية وتقنية
يمتلك السودان المقدرات الأساسية في مجال التقانة والعلوم والتأهيل والتدريب التى تمكنه من تحقيق الطفرة

مكونات الإستراتيجية القومية الشاملة (1992-2002م )

جاء التصور النهائي للإستراتيجية القومية الشاملة فى اثنى عشر قطــاع يحتــوي كــل قطاع عدة إستراتيجيات تفصيلية كالآتي

أ- إستراتيجية قطاع التنمية الإجتماعية:
استراتيجية الأخلاق والرقى الإجتماعي .استراتيجية الرعاية الإجتماعية. استراتيجية رعاية الطفولة .ستراتيجية الشباب. استراتيجية المرأة . استراتيجية التكافل. استراتيجية العمل الطوعي والخدمي.
استراتيجية التنمية الصحية. استراتيجية التعليم العام استراتيجية التعليم العالي. استراتيجية التخطيط العمراني والإسكان استراتيجية تنمية السياحة. استراتيجية الرياضة . استراتيجية البيئة.
ب- إستراتيجية قطاع تنمية الموارد البشرية:

استراتيجية السكان.استراتيجية الخدمة العامة.استراتيجية التدريب.استراتيجية الإحصاء.استراتيجية قطاع الثقافة والإعلام :استراتيجية الإحياء والإشعاع الثقافي.استراتيجية الإعلام .استراتيجية قطاع العلوم والتقانة تعتمد هذه الإستراتيجية علي ست وسائل للتنفيذ وهي:
-       وسيلة المعلومات.
-       الوسيلة البحثية.
-       الوسيلة المؤسسية.
-       الوسيلة البشرية.
-       الوسيلة التشريعية
-       .الوسيلة العادية
.
أستراتيجية قطاع السياسة والنظام العدلي
-       :
الحكم الإتحادي.
-       النظام السياسي.
-       العمل النقابي والفئوي
-       .النـــظام العدلي
-       .السلام.

استراتيجية قطاع الأمن والدفاع
-       :استراتيجية الأمن والدفاع.
-       استراتيجية الشــرطة
.الإستراتيجية الإقتصادية
-       برنامج الأولويات والسياسات.
-       السياسات المالية والإقتصادية
-       الإستثمار.
التمويل.
التجارة.
التأمين .
استراتيجية قطاع الزراعة والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية

ملخص تقيم الاستراتيجية القومية الشاملة (1992-2002م )

ماتم تحقيقه من انجازات واضحة في مجالات الترابط الاجتماعي والتعليم والصحة والمياه والطرق و الإتصالات والطاقة والتصنيع والقطاع الزراعي والحيواني وفي القطاعات الامنية والخدمية لاتخطئه العين المجردة والذي تم في ظل أداء اقتصادي تميز بالنظرة الكلية المستقبلية.

    إن الإستراتيجية قد لازمتها بعض العثرات والتي تمثلت في ضمور نسبة الأداءفي بعض قطاعاتها الا ان ذلك امر طبيعي. وقد تكون احدى اسباب التعثر هو الطموح الزائد والرغبة في تجسير الفجوة عند صياغة الاهداف الكمية للاستراتيجية وما لازم إنفاذها في ضمور في الاهداف ومتغيرات ناتجه عند حرب الجنوب والاستهداف الخارجي آليات التنفيذ والمتابعة لكونها اول تجربة حقيقية في صياغة استرتيجية عشرية.

    وبالرغم من ذلك فأن ماتم انجازه بكل ما آحاط الاستراتيجية من عقبات يعد نقله كبيرة في العطاء والهمة ونكران الذات والذي سيمهد لاستراتيجية قادمة تسخر لها الهمم وتوفر لها الأمكانات لتحقيق المزيد في كل ساحات العمل .ونركز هنا على الجانب السيادي باعتباره الركيزة الحقيقة للتنمية , حيث لا تنمية الا في ظل السلام والأمن وقد ظهر ذلك في الاتي:
أ. القوات المسلحة
اهتمت الاستراتيجية بالنظام الامني تخطيطا وتسليحا وتدريبا بالاضافة الى ادخال البعد الشعبي في فلسفة الامن بقيام الدفاع الشعبي وتنشيط الخدمة الوطنية.الإهتمام بالتصنيع الحربي لتأمين إحتياجات البلاد من المهمات العسكرية.
.تأهيل المستشفيات بالسلاح الطبي وتزويده بأحدث الأجهزة علي المستوي الولائي والإتحادي.
 
إنشاء مصانع أدوية خاصه بالقوات المسلحة..توفير الحماية والتأمين الإجتماعي لأفراد قوات الشعب المسلحة عبر شركات التأمين الإجتماعي.
ب- الأمن الخارجي:
تسوية العديد من الخلافات مع دول الجوار وتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية والدول الأفريقية كاثيوبيا وارتريا ويوغندا دفعاً لتطوير العلاقات مع السودان .كشف النشاط الخارجي للمعارضة وحركة التمرد منعاً للإختراق الأجنبي.

.
الترويج للإستثمار بالتنسيق مع الأجهزه المعنية وذلك بتوفير المعلومات عن الشركات التي تسعي للإستثمار في السودان أهتم الجهاز بالتقنية والمعلومات في مجال داول وحفظ المعلومات وإنشاء شبكة معلومات فنية.أحكام التنسيق مع الأجهزة الأمنية الأخري.

ج. قوات الشرطة
مراجعة القوانين واللوائح والبناء التنظيمي علي ضوء مستجدات الدستور .مراجعة قانون الأجراءات الجنائية والتصدي لظاهرة الإرهاب وتأمين المنشأت.قيام جامعة الرباط الوطني.مراجعة مناهج التدريب وتأهيل المؤسسات التدريبية.الأهتمام بالأنشطة المختلفة المتعلقة بالتدريب والتاهيل والتوسع فىي مجال السجون والدفاع المدني والجمارك والحياة البرية.
إدخال البعد الشعبي في العملية الأمنية وقيام الشرطة الشعبية.ترسيم الحدود مع تشاد وافربقيا الوسطي.تمت الإتفاقيات علي عودة اللاجئين الاثيوبيين والارتريين واليوغنديين والكنغوليين لبلادهم.مع كل هذه الإنجازات ألا أن الإستراتيجية إفتقدت بعض الجوانب المهمة وهي:

انها لم تُقيم الوضع الراهن في ذلك الحين لمعرفة مصادر القوة والضعف والفرص المتاحة والمهددات.
  لم تخرج برؤية.
2 ـ لم تعد رسالة.

    انها جاءت فى معظمها وصفية وليست كمية يمكن قياسها.تنزل الي برامج عمل حيث كانت راسية ولم تنبع من الأرض.لم يكن هنالك جسم للمتابعة بل لجنة.تم تقسيم الخطة الي اربعة مراحل سنة اساس ثم ثلاث فترات لكل ثلاث سنوات.لم يكن هنالك إجتماع سنوي للتقييم. لم توضع ميزانيات سنوية للتنفيذ بل متطلبات. جرى اتباع النهج العلمي المتعارف عليه في التخطيط الإستراتيجي بإنشاء مؤسسات ترعي التخطيط الإستراتيجي إعداداً وتنفيذاً ومتابعة ، وإشراك كل فعاليات المجتمع ومؤسساته الرسمية والشعبية في الإجماع علي الرؤية الكلية، مما شكل نقلة نوعية وضرورية إلي الإستراتيجية القومية ربع القرنية


                     

الأربعاء، 16 مارس 2016

التغلغل الإيراني في أفريقيا و أثره على الأمن القومي العربي

المقدمة
     أطلق اللاتينيون اسم أفريقيا لأول مرة على القارة في النصف الأول من القرن الثامن عشر قبل الميلاد ، وكانوا يقصدون به الجزء الذي يحكمه الفينيقيون آنذاك ، كما أطلق عليه الجغرافيون العرب نفس الاسم وكانوا يقصدون به تونس فقط تعد القارة الأفريقية القارة الثانية بعد قارة آسيا من حيث المساحة والسكان ، تبلغ مساحتها نحو( 30,420000 ) كيلو متر مربع ،عدد سكانها حوالي (600,000,000 ) مليون نسمة تمثل خمس مساحة العالم ، وتضم حوالي 54 دولة .
  تتوسط القارة بين قارتين هما آسيا وأوروبا مباشرة والأمريكتين من جهة أخرى ، كما تمثل أفريقيا مجموعة من الأثنيات والعرقيات المختلفة التي هاجرت من مناطق أخرى إلي القارة عبر الفترات المختلفة حتي إستقرت في المنطقة ثم تزاوجت مع سكان المنطقة الأصليين ، وكونت مجموعة عرقية متميزة لها خصائصها وعاداتها التي تضمن لها خصوصيتها وتميزها، من الناحية اللغوية توجد في القارة الأفريقية العديد من اللغات العالمية والمحلية واللغات السامية ، من حيث الأديان فقد عرفت القارة الأفريقية جميع الديانات السماوية : اليهودية ، والمسيحية ، والإسلام ، وتوجد بعض المعتقدات المحلية ، عبر القرون المختلفة شهدت القارة العديد من الثقافات والأفكار الوافدة وتلك الثقافات التي تطورت ذاتياً.
     تعد القارة الافريقية من أهم مناطق المواد الخام والموارد الطبيعية في العالم ، ففي أفريقيا يوجد أكبر وأطول الأنهار العزبة في العالم وهو نهر النيل بلإضافة إلي الأنهار                                                            الأخرى كما تعد من مناطق إنتاج النفط و الغاز الطبيعي، والمعادن من ذهب ،  وحديد ،                             ونحاس ، اللمونيوم ، وغيرها من المعادن والثروة الحيوانية الضخمة التي تتمتع بها و تزخر القارة الأفريقية بوفرة وتعدد المناخات البيئية والزراعية والأراضي الصالحة للزراعة ، نسبة لهذه الإمكانيات الكبيرة والموارد الضخمة ، والموقع الأستراتيجي لها بين المواقع ؛  فقد شهدت تصارع وتنافس بين القوى الكبرى التي حاولت كثيراً أن تستفيد من هذه المميزات فحدث الصراع و التنافس و التغلغل ،
يجئ هذا البحث متناولاً التغلغل الإيراني في القارة الإفريقية من حيث التطور التاريخي و أهدافه و آلياته و كيف أثر التغلغل الإيراني في إفريقيا على الأمن القومي العربي .
إشكالية الدراسة :
أدي تزايد الأهمية الإستراتيجية للقارة الإفريقية إلى تزايد سعي الدول و المؤسسات للإستفادة من هذه الأهمية بغرض تحقيق الأهداف الحيوية لكل دولة ، ولم تكن جمهورية إيران بمعزل عن هذه الدول فقد سعت إيران إلى التغلغل في أفريقيا و بناء علاقات سياسية مع كثير من الدول الإفريقية ، تركت العلاقات الإيرانية الإفريقية مجموعة من النتائج كما أظهرت عدد من الآثار خصوصاً على الأمن القومي العربي ، عليه فإن إشكالية البحث تدور حول التساؤلات التالية :
1 ـ ماهي أهداف التغلغل الإيراني في إفريقيا و آلياته التنفيذية ؟ .
2 ـ ما هو أثر التغلغل الإيراني في إفريقيا على الأمن القومي العربي ؟ .
فرضيات البحث :
ينطلق البحث من الفرضيات التالية :
1 ـ توجد مجموعة من الخلافات بين توجهات السياسة الخارجية لإيران و الأمن القومي العربي .
2 ـ تسعي إيران إلى التأثير على الأمن القومي العربي  من خلال تأجيج بؤر الصراع و نقاط ضعفه .
3 ـ الأمن القومي العربي منظومة ممتدة يتأثر بمحيطه الإقليمي و الدولي .
4 ـ التغلغل الإيراني في إفريقيا يهدف إلى تهديد الأمن القومي العربي .
حدود البحث :
1 ـ الحدود المكانية : جمهورية إيران ـ الأمن القومي العربي  ـ القارة الإفريقية .
2 ـ الحدود الزمانية : تختص الدراسة في الفترة ما بين 1979م إلى 2015 م .

المبحث الأول : خلفية عن العلاقات الإيرانية الإفريقية
كانت العلاقات الإيرانية الإفريقية قبل عام 1979 قليلة جداً ارتبطت إيران قبل الثورة بالكتلة الغربية وقامت بأدوار مختلفة منها دور حامية المنطقة، الاَّ أنه مع نجاح الثورة الإسلامية ورغبتها في القيام بدور مستقل على الساحة الدولية انقلبت المعادلات فقد مثلت الثورة الإيرانية أول ثورة إسلامية ناجحة فى العصر الحديث. و كان لها أكبر الأثر على سياستها الخارجية بسبب التغيير الحادث في داخل إيران وفى رؤيتها للعالم الخارجى ولتغير خريطة الحلفاء والخصوم في البيئة الدولية والإقليمية، عليه يمكن التوثيق لخلفية العلاقات الإيرانية الأفريقية من خلال المراحل التالية :  
المرحلة الأولى 1979 ـ 1981
خلال هذه المرحلة لم تهتم جمهورية إيران بالقارة الإفريقية لأنها كانت فترة إعادة بناء و ترتيب للداخل
المرحلة الثانية 1981 ـ 1989م .
وهي فترة الرئيس علي خاميني بعد نجاح الثورة الإيرانية في عام 1979م تم إعتبار إيران كدولة كبرى تتمتع بموقع استراتيجي مهم ولها إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة جداً ، مما جعلها مستهدفة من قبل القوى الكبرى حتى لا تضطلع بدورها المنشود في منطقة الشرق الأوسط ، وفي محاولة لامتلاك أوراق جديدة انفتحت إيران على إفريقيا سياسياً وثقافياً واقتصادياً لما لها من امكانات جعلت الدول الغربية والصاعدة تتسابق إليها.
خلال الفترة الممتدة من عام 1980 إلى 1988 دخلت إيران في حرب مع العراق فأصبحت السياسة الخارجية الإيرانية تسعي إلى فتح مزيد من دوائر التعاون مع كافة التجمعات، سواء كانت إفريقية أم عربية أوخليجية وغيرها، وإن هذا النشاط يسير بالتوازي مع سياسة إيران لتوسيع نفوذها وتهدف من هذه التحركات إلى كسب مزيدٍ من التأييد الدولي لها قام رفسنجاني بزيارة السودان عام 1991م ،

المرحلة الثالثة 1989 ـ 1997 م
وهي مرحلة هاشمي رفسنجاني حيث عملت السياسة الخارجية الإيرانية على المساعدة في تحقيق الأهداف الاقتصادية في محاولة لتنمية التجارة والاستثمار الأجنبي الذى تحتاجه إيران بشدة لإعادة بناء ما دمرته الحرب. فكان شعار رافسنجاني الرئيسي البناء، وأصبح الانفتاح على الخارج غاية مهمة لمعالجة تدهور الوضع الاقتصادي .
المرحلة الرابعة 1997 ـ 2005م
وهي مرحلة محمد خاتمي شهدت الفترة ما بعد 2001 إلى عام 2003 تراجع حجم المساعدات المالية و القروض للدول النامية من قبل هيئات الإقراض الدولية و الولايات المتحدة وحلفائها وخلال حكم احمدي نجاد توسعت العلاقات التجارية والاقتصادية لإيران بوتيرة سريعة و قالت إيران إن تجارتها غير النفطية مع إفريقيا بلغت مليار دولار ، أن توثيق أواصر العلاقات بالدول الأفريقية يعد من أولويات السياسة الخارجية الايرانية وكان أول لقاء رسمي عقده أحمدي نجاد عند توليه الرئاسة في يونيو 2005 مع رئيس مالي .
في ظل حكومة الرئيس محمد خاتمي الإصلاحية تصاعدت اهتمامات الدبلوماسية الإيرانية الموجهة لإفريقيا اقامت إيران حوالي 32 معرضاً تجارياً في افريقيا بلغت الصادرات الإيرانية في منطقة افريقيا جنوب الصحراء عام 2003م قيمة ( 1.36 ) مليار دولار ، ثم أرتفعت في عام 2010م إلى 3.60 مليار

المرحلة الخامسة 2005 ـ2013م
محمود احمد نجاد توسعت العلاقات الإيرانية الأفريقية فأصبحت إيران تمتلك 30 سفارة في القارة الإفريقية و أصبحت عضو مراقب في الإتحاد الإفريقي ، كما إستضافت مؤتمر حركة عدم الإنحياز قد توسعت إيران في إفريقيا بشكل واضح في ظل حكم الرئيس أحمدي نجاد ، ومما يدلل على اهتمام إيران بالاستثمار في إفريقيا اتجاه أكبر شركة إيرانية للسيارات ( شركة خودرو للسيارات )  لافتتاح مصنع إنتاج في السنغال عام 2007م ، و في ذات العام تم إكتشاف اليورانيوم في غينيا الأمر الذي ساهم في تطور العلاقات الايرانية الغينية بصورة أكبر وزاد مستوى التبادل التجاري بنسبة140% .
كذلك منح الرئيس الإيراني أحمد نجاد قرض لإريتريا بقيمة ( 25 ) مليون يورو في مطلع العام 2007م ، في عام 2008 استقبل أحمدي نجاد رئيس جزر القمر أحمد عبد الله محمد سامبي و الرئيس الأريتري اسياس افورقي في طهران ، و خلال الفترة 2008 الي 2010 ازدادت التوجهات الايرانية الي افريقيا بسبب تزايد ضغوطات المجتمع الدولي واشتداد تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران فضلا عن سعي إيران لخرق العقوبات الدولية من خلال علاقات تجارية.خلال هذه الفترة حصلت ايران على تسهيلات في ميناء عصب على البحر الأحمر
ففي عام 2009 وحده قام كبار المسؤولين الإيرانيين بنحو أكثر من 20 زيارة لإفريقيا. وتحاول الدبلوماسية الإيرانية كسر الحصار الغربي المفروض عليها من خلال اكتساب مناطق نفوذ جديدة في إفريقيا.
المرحلة السادسة 2013 ـ الآن
وهي مرحلة حسن روحاني ن إتخذ حسن روحاني سياسة مرنة جداً تجاه الولايات المتحدة و الدول الإوروبية الأمر الذي ساهم في إزالة نقاط التوتر بين إيران و الدول الكبرى ، تعتبر هذه المرحلة هي إمتداد للمرحلة الخامسة التي إتبعها الرئيس محمود أحمد نجاد ، من أهم مميزات هذه المرحلة تراجع الإهتمام الإيراني بالقارة الأفريقية لعدد من العوامل وهي :
1 ـ التدخل العربي في اليمن احد أكبر مناطق النفوذ الإيراني مما جعل جل سياسة إيران الخارجية تركز على اليمن .
2 ـ تدهور الوضع الأمني في العراق و تزايد نشاط و تأثيرات تنظيم داعش على المصالح الإيرانية .
3 ـ إنحسار نفوذ و تأثير ( حزب الله ) الأمر الذي جعل إيران تسعي إلى إعادة بناء و ترميم القوة العسكرية و السياسية لحزب الله .
4 ـ تحسن علاقة ايران مع الدول الكبرى .

المبحث الثاني : أهداف التغلغل الإيراني في أفريقيا
تسعي جمهورية إيران من خلال تغلغلها في القارة الأفريقية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف يمكن تلخسصها في الآتي
الاهداف السياسية  
1 ـ ترسيخ النفوذ السياسي الإيراني في أفريقيا و محاصرة النفوذ السياسي للولايات الأميركية والغرب
2 ـ الإستفادة من أصوات الدول الإفريقية في منظمة الأمم المتحدة و المنظمات الإقليمية و الدولية ، فإفريقيا تمثل ثلث مقاعد الأمم المتحدة وتشكل نصف مجموعة عدم الانحياز، وهو ما يعني أنها تمثل حليفاً محتملاً لإيران.
3 ـ حشد التأييد الأفريقى وتفعيل الدور الإقليمي فى مواجهة المخططات الأمريكية الرامية إلى محاصرة إيران وعزلها دولياً، وتأكيد جدارة إيران بلعب دور قوى فى القارة الإفريقية و منافسة القوى الإقليمية الأخرى و قطع الطريق على المحاولات الأمريكية الإسرائيلية لإفساد العلاقات الإيرانية الإفريقية.
الاهداف الاقتصادية
تدعيم المصالح الاقتصادية: حيث تزخر القارة الإفريقية باحتياطات يعتد بها من المواد الخام الطبيعية. كما أنها تصدر بعض المواد التعدينية والمحاصيل الزراعية إلى السوق الايرانية. وهى أيضاً تمثل بثقلها السكانى ومساحتها سوقًا واسعة لتسويق المنتجات الإيرانية التى تلقى رواجاً كبيراً فى إفريقيا.
2 ـ تطوير المصالح الاقتصادية الإيرانية على خلفية العقوبات المفروضة على إيران والتي تمسها في القارات الأخرى مع الإستفادة من موارد القارة الإفريقية و تسخيرها لخدمة المصالح الحيوية لإيران ، التأكيد قدرات إيران كشريك تنموى مع إفريقيا قادر على طرح المبادرات وتقديم المساعدات اللازمة لدعم العملية التنموية فى القارة الإفريقية، وفقًا لمبادئ الاتحاد الإفريقى.
3 ـ العمل على ترسيخ علاقتها الاقتصادية مع دول أفريقيا  كمسار نفوذ وتأثير رئيسي من خلال إنشاء المشاريع المختلفة في مجالات الزراعة والطاقة وإقامة السدود والمساكن وتعبيد الشوارع وماغيرها.
4 ـ ربط النظام الإقتصادي لدول القارة الإفريقية بالنظام الإقتصادي الإيراني وقد تم تجسيد هذا التوجه الإيراني الجديد تجاه إفريقيا في ظل حكم الرئيس هاشمي رفسنجاني، حيث قام في عام 1996 بزيارة لست دول إفريقية صحبه خلالها وفد رفيع المستوى مكون من محافظ البنك المركزي ووزراء المجموعة الاقتصادية .
5 ـ إبراز الصورة القومية للدولة الإيرانية كنموذج تنموي.
الأهداف العقائدية
تصدير الثورة الإسلامية و نشر مبادئها كان أحد الأهداف المعلنة للثورة الإيرانية هو تصدير الثورة الإسلامية إلى العالم وكان ينظر إلى إفريقيا كهدف جيد لهذا الحماس الثوري ، لقد كانت إيران الثورة تنظر إلى إفريقيا باعتبارها قارة المستضعفين، وأنها بحاجة إلى مد يد العون لها في مجالات الصحة والإعمار و التنمية وغيرها من المساعدات الإنسانية.
الأهداف العسكرية و الأمنية
1 ـ بناء تحالفات عسكرية و أمنية مع دول القارة الإفريقية .
2 ـ فتح أسواق جديدة لشركات الأسلحة الإيرانية ومنذ نحو عامين، قالت نيجيريا إنها تحفظت على شحنة سلاح إيرانية في ميناء لاغوس. وقالت نيجيريا إن الأسلحة كانت في الطريق إلى غامبيا في غرب إفريقيا
3 ـ ان إيران تسعي من هذه العلاقات لاستخدام موانئ هذه الدول لتنفيذ عملياتها و سياساتها والقيام بالتآمر السياسي ضد إسرائيل ودول المعسكر العربي وللردّ في حال الهجوم على منشآت إيران النووية .
4 ـ تثبيت التغلغل العسكري الإيراني وبرياً وبحرياً في الدول الإفريقية والموانئ بهدف السيطرة و تهديد خطوط الإبحار الحيوية في الازمات، خصوصاً على مشارف البحر الأحمر الغرض الاساسي هو إقامة خطوط بحرية وبرية تقود إلى ساحات الصراع الرئيسة التابعة لإيران في الشرق الأوسط والتي يمكن من طريقها تهريب الوسائل القتالية والنشطاء إليها و من ثم القيام بأي أعمال قتالية لذلك نجد ان الإيرانيين يولون أهميةً خاصة لمسار عمليات التهريب في أفريقيا و يقيمون علاقات مع تجارة التهريب في أفريقيا
المبحث الثالث : خارطة النفوذ الإيراني في أفريقيا
تتركز نشاطات التغلغل الإيراني في القارة الأفريقية في الجزء الشمالي و خاصة منطقة القرن الأفريقي وتمتد حتي اليمن فإن إيران توسع علاقاتها مع اليمن كموقع استراتيجي و كمدخل للقارة الأفريقية و البحر الأحمر ، كما توثق إيران علاقاتها مع عدد من الدول الأفريقية خصوصاً الدول المشاطئة للبحر الأحمر وهي : السودان وأريتريا وجيبوتي، بما يتيح لها عمليات بحرية نشطة في المنطقة وصولاً الى أمن الخليج العربي أو ميناء إيلات الإسرائيلي أو قناة السويس المصرية .
تضع إسرائيل في قائمة الدول المتحالفة مع إيران كلاً من كينيا وأريتريا وجيبوتي وجزر القمر. وتخشى من تقديم الدعم الإيراني لكينيا لاستخراج الطاقة النووية في الوقت الذي تبحث فيه كينيا عن مصادر بديلة للطاقة لتلبي احتياجاتها الكهربائية .
تركز إيران دوماً على الدول و المناطق الإستراتيجية في القارة الإفريقية بغرض فتح آفاق جديدة للاستثمار والتجارة فى القارة، مع العمل على تنسيق السياسات الاقتصادية مع الدول الأفريقية ومن أمثلة ذلك السعى لتأمين الاحتياجات الإيرانية من القطن والذهب الذى تنتجه مالى، وتكثيف الاستثمار فى قطاعات الزراعة والطاقة والكهرباء فى كل من السنغال وزيمبابوى وسيراليون وأوغندا وبنين ومالى، والتنسيق مع نيجيريا فيما يتعلق بتحديد أسعار النفط ، وتفعيل منظمة أوبك لتعبر قراراتها عن الدول المنتجة وليست المستهلكة للنفط، وتعزيز التبادل التجارى بين دول الـ ٧٧ التى شارك الرئيس النيجيرى أوباسانجو فى تأسيسها، كأحد أكبر المجموعة الاقتصادية فى العالم .
تتركز خارطة النفوذ الإيراني في أفريقيا في أهم الدول التالية حسب الإهمية الإستراتيجية لإيران : السودان ،أريتريا ، كينيا ، نيجيريا ، أثيوبيا ، جنوب أفريقيا ، زنبابوي ،غامبيا ، النيجر لما تمتلكه من كميات كبيرة من اليورانيوم ، بنين ، مالي .
آليات تنفيذ السياسة الخارجية الإيرانية في أفريقيا
1 ـ السفارات و القنصليات الدبلوماسية .
2 ـ المراكز الثقافية يتم استخدامها لنشر وترويج المواد الدعائية الشيعية وتجنيد السكان
3 ـ الشركات و المؤسسات الإيرانية في دول القارة الإفريقية
4 ـ  الجاليات و الأقليات المسلمة التي تعيش في دول أفريقيا . 
5 ـ فإن الاداة الاهم التي تمتلكها إيران لتعزيز نفوذها السياسي في أفريقيا  تتمثل في توسيع العلاقات الاقتصادية و استخدام النفط و الغاز .
6 ـ تنشيط دور المجتمع المدنى فى تفعيل العلاقات الإيرانية الإفريقية.
7 ـ من أهم المؤسسات الإيرانية التي تعمل على تنفيذ السياسة الإيرانية في إفريقيا ما يلى :
‌أ.       الشركة الإيرانية للنفط و الغاز .
‌ب. مؤسسات المستضعفين .
‌ج.   مؤسسة الشهيد .
‌د.     مؤسسة الإمام الرضا .
‌ه.      مؤسسة الـ 15 خرداد .
‌و.    شركة خودرو للسيارات .
المبحث الرابع :  إنعكاس التغلغل الإيراني في أفريقيا على الأمن القومي العربي
أولاً : توسع نطاق الأمن القومي العربي
في الفضاء قيد التشكل والانبثاق تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كلاعب أساسي في المنظومة الإقليمية لدرجة إن فهم التزايد المطرد لنفوذ إيران وثقلها الإقليمي يبدو هو المدخل لفهم متغيرات الأمن القومي العربي و مهدداته وهو بالتالي احد العوامل الحاسمة لفهم الصراع الدولي حول المنطقة العربية و مستقبلها فالخليج العربي يشكل بالنسبة للفاعلين الدوليين واحداً من الهموم الإستراتيجية الكبيرة نظراً لوضعه الجيواستراتيجي في نظام عالمي يقوم في مجمله على موارد الطاقة الموجودة بشكل رئيسي على ضفتي الخليج.
ويبدو أن دول الجوار الإقليمي غير العربية، وبالأخص إيران وتركيا وإسرائيل، قد استغلت حالة الضعف الإستراتيجي التي تتسم بها المنطقة العربية وبدأت تبحث عن أدوات جديدة لإحياء وتدعيم أدوارها الإقليمية. ويمثل التوجه جنوباً نحو إفريقيا أبرز الملامح المشتركة التي تجمع بين تلك الدول الثلاث التي تحلم باستعادة أمجادها الإمبراطورية القائمة على اعتبارات تاريخية أو أيدولوجية ، فقد يزداد الامر سوءً في حالة حدوث تحالف بين إيران و أي من الدول غير العربية الاخرى .
ظلت فكرة الأمن القومي العربي ينظر إليه بنظرة داخلية أكثر من الخارج ، حيث أدى تزايد الأهمية الإستراتيجية و إكتشاف النفط إلى تزايد الأهمية الأستراتيجية للمنطقة العربية على المستوي الإقليمي والعالمي فأصبحت المنطقة تدخل في دائرة التوازن الدولي ، فان الإرتباط الوثيق بين القارة الإفريقية و الأمن القومي بصفة عامة و بين منطقة الخليج العربي والقرن الأفريقي  بصفة خاصة جعل المنطقتين تتأثر ببعضهما ؛ فالنفط الخليجي يمر بواسطة منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي عندما ادركت القوى الدولية و ايران هذه العلاقة على أثرها سعت إلى الإقتراب من حقول النفط بنظرية ( تطويق منطقة الخليج العربي ) ، خصوصاً من قبل الإتحاد السوفيتي سابقاً الذي حصل على نفوذ في كل من أثيوبيا ، مصر، الصومال، هذا التداخل الإقليمي فرض على دول الخليج العربي إدراج دول منطقة القرن الأفريقي كجزء من أمنها فهنالك تنسيق أمني مع تعاون عسكري بين الطرفين جاءت الأستراتيجية الإيرانية للإستفادة من هذه الميزة من خلال تواجدها وتغلغلها في القارة الإفريقية بالرغم من أن البحر الأحمر قد يكون حاجزاً أمام القوات البرية غير أنه لا يمكن إن يكون حاجزاً أمام الصواريخ بعيدة المدى التي يمكن أن تنطلق من القرن الأفريقي ، فأصبح يتميز نطاق الامن القومي العربي بالخصائص الأتية :
    ـ    تجدد عوامل عدم الإستقرار والأسباب الدافعة لها .
    ـ    تعدد أشكال وأنواع التهديدات التي تواجه منظومة الأمن القومي العربي .
    ـ    تداخل قضايا أمن الخليج العربي مع القضايا الإقليمية والدولية المتعلقة بالقارة الأفريقية و الشرق الاوسط .
ثانياً : تدهور العلاقات الإفريقية العربية
تعمل أيران على تشويه صورة العرب و الثقافة العربية في الفكر الإفريقي خصوصاً في الدول التي تميزت بالعداء للعرب مثل اثيوبيا و كينيا و اريتريا ، فقد نشرت وسائل إعلام كينية احتمال قيام إيران بمساعدة كينيا على بناء مفاعل نووي لتوليد الطاقة الكهربائية ودعمها بتوفير 4 ملايين طن من النفط الخام حوالي 80,000 برميل يومياً ، تأتي اريتريا في قائمة الدول المتحالفة مع إيران  بعد كينيا، حيث تعمل السياسة الخارجية الإيرانية على توثيق علاقاتها مع دولة اريتريا بسبب الأهمية الاستراتيجية لأريتريا كعامل مؤثر على الأمن القومي العربي و أمن البحر الأحمرـ فقد نشرت المعارضة في اريتريا تقاريرعن وصول بوارج وغواصات إيرانية إلى المدينة ( مينائية أساب ) الأريترية ذات الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر تعمل هذه السياسة على تعويق العلاقات العربية الإفريقية و أظهار كل منهما كعدو للأخر .
ثالثاً : تطويق منطقة الخليج العربي
   إن فكرة تطويق منطقة الخليج العرب هي من الأفكار القديمة التي سعت لها كثير من الدول مثل : الإتحاد السوفيتي سابقاً الذي إستطاع إن يلتف حول المنطقة، ثم جاءت الولايات المتحدة الأمريكية من بعده ؛ ذلك لضمان إستمرار مصالح القوى الكبرى في المنطقة  يجب تطويق منطقة الخليج العربي أولاً، إنتقلت فكرة تطويق منطقة الخليج العربي إلى إيران التي تعتبرها دول الخليج عدوها الأول إنتقلت إيران إلى منطقة القرن الأفريقي لتطبيق هذه الفكرة لجعل نفوذ إيران يحيط بمنطقة الخليج العربي من كل الجهات ، حيث إستطاعت إن تجد لها نفوذ في كل من لبنان وسوريا وفلسطين والقرن الأفريقي هو أخر المناطق لحلقة تطويق الخليج العربي .
يبدو إن التصريحات الإيرانية بإحتمال مهاجمة آبار النفط في الخليج العربي إذا تعرضت لضربة من قبل القوى الدولية قد أثر على دول الخليج من خلال تزايد نفوذ إيران في منطقة القرن الأفريقي ولإقامة علاقات قوية مع دول المنطقة في المجالات السياسية العسكرية والثقافية وهي المنطقة الأقرب إلي حقول النفط الخليجي
وجدت دول الخليج العربي و منظومة الأمن القومي العربي نفسها بلا غطاء في ظل صراع  النفوذ على الصعيد الإقليمي و الدولي تتعدد أطرافه الفاعلة ، أن الصعود الإيراني هو الوجه الآخر الذي سيهدد الأمن القومي للعرب بصورة عامة و أمن الخليج العربي بصفة خاصة بأعتراف جميع الدول العربية و المحللين الإستراتيجين و كانت من نتائج هذا الحقيقة هو شعور إيران بالتفوق على العرب .
لقد تنامي الدور الإيراني في العراق الى درجة ذهبت فيها بعض التحليلات إلى إفتراض هلال شيعي تقوده إيران أو تعمل لتشكيله من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا وفلسطين ودول الخليج العربي ركزت طهران في  صيانة وتعزيز نفوذها في العراق على شبكة معقدة من العلاقات تربطها بمجموعات شيعية أبرزها حزب الدعوة وفيلق بدر ,التيار الصدري وجيش المهدي , المجلس الأعلى للثورة الإسلامية.
رابعاً : تحويل مسرح الصراع
يتضح أن المسرح الحقيقي للصراع العربي الايراني يكمن في منطقة الخليج العربي في قارة آسيا عليه فان تغلغل إيران في القارة الافريقية يعمل على تحويل مسرح المواجهة فمع تزايد الحضور الإيراني و تغلغله في القارة الإفرقية تزايد قلق دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من أن دول المجلس لم تدعم علانية اتخاذ إجراءات عسكرية ضد طهران، إلا أن وثائق مسربة كشفت عن ترحيب بعض هذه الدول على الأقل بأي عمل عسكري ضد إيران، فالعاهل السعودي مثلاً نصح الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة بقطع رأس الأفعى من خلال شن هجمات عسكرية لتدمير برنامج إيران النووي .
هنالك اتفاق وقعته إيران مع اليمن يسمح للبوارج الإيرانية بأن ترسوَ في ميناء عدن كجزء من قوة إيرانية أعدَّت لمكافحة ظاهرة القراصنة الصومالية هذه القوة من المتوقع أن تضاف إلى البوارج الإيرانية الست التي سبق أن عملت في منطقة الصومال لتضمن سلامة سفن النقل الإيرانية وأمنها.
خامساً : التأثير على العلاقات بين الدول العربية
تصنف دول الخليج العربي ايران كعدو لها عليه فان إقامة أي علاقات سياسية بين إيران و أي دول يعد عامل مؤثر في العلاقات العربية العربية ، من أهم حقائق هذه الفرضية هو تدهور العلاقات الخليجية مع السودان بسبب تزايد العلاقات السودانية الايرانية ، بل وكذلك الحال بين السودان و مصر ، بل وتمتد التأثيرات حتي علي العلاقات مع الدول الأوروبية في الوقت الذي تكثف فيه زيارات الحكام وكبار المسؤولين العرب إلى العواصم الأوروبية والأمريكية لمعالجة بعض المشكلات وعقد بعض الصفقات ، فإن الوفود الرسمية الإيرانية لا تنقطع عن زيارة العواصم والمدن الإفريقية، وتسعى إيران إلى تكثيف وجودها في العديد من الدول الإفريقية خاصةً جنوب الصحراء كما فعلت مع دول أمريكا اللاتينية لتحقيق العديد من المصالح وكسب أصدقاء جدد لهم إسهامهم في السياسة الدولية بطرق وأساليب ووسائل متعددة.
تسعي إيران إلى تطبيق مبدأ تصدير الثورة و تعقيد العلاقات البينية في منظومة الأمن القومي العربي الذي تعاني دول عربية كثيرة من حساسية مفرطة تجاهه لوجود أقليات شيعية كبيرة في بعضها خاصة البحرين والسعودية والكويت ، تنتهج إيران مجموعة من السياسات التي تسهم في تأجيج العلاقات العربية و تهديد الأمن القومي العربي و هي :
   ـ   إيقاف المد الإسلامي السني والحيلولة دون تغلغله داخل القارة .
   ـ   محاربة الوجود العربي في القارة الأفريقيا .
   ـ   تسوير الأمن القومي العربي من الخارج .
    ـ   التصدى لنفوذ القوى الكبرى مثل النفوذ الأمريكي و الصيني والروسي في القارة الأفريقية
   ـ  تسعي إيران لان تصبح المهدد الأساسي للأمن القومي العربي إذا لم يتم التوصل إلى حل لشكل العلاقات الإيرانية ـ الخليجية ، وستقوم إيران بدعم نفوذها إقليمياً ودولياً .
ـ تستغل إيران حالات الأزمات و الفرص لتدعيم تغلغلها في القارة الإفريقية ففي أعقاب قطع العلاقات الدبلوماسية بين موريتانيا وإسرائيل في العام 2005م عملت إيران على استغلال تلك الفرصة السانحة حيث أعلنت أنها سوف تقوم بإدارة مستشفى السرطان العام في نواكشوط بدلاً من الإسرائيليين، وتعهدت طهران بتوفير الأطباء والمعدات اللازمة لتجهيز المستشفى.

سادساً : مواجهة المذهب السني

كان تزايد الحضور الإيراني قد شكل موضوعاً لمقاربات ركزت في معظمها على تداعياته الجيواستراتيجية أو الأمنية للمنطقة العربية و أمن البحر الأحمر ، منذ أن أنهت الثورة الإسلامية في إيران التقارب الذي حدث بين إيران وبعض الدول العربية تحت راية مكافحة الشيوعية ، و الآن أصبح الصراع بين العرب و إيران هو صراع مذهبي ، يسعي التغلغل الإيراني إلى التأثير على نشر الإسلام السني و معتقداته لتكتسب مسألة الصراع في المنطقة بعداً جديداً كلياً .
عندما أكدت تقارير رسمية من تزايد المد الشيعي في السودان الأمر الذي جعل المملكة العربية السعودية و دول الخليج العربي تزيد من دعمها للحكومة السودانية بشرط إيقاف كل النشاطات الإيرانية في السودان فقد تم بالفعل إغلاق ( المراكز الثقافية الإيرانية في الخرطوم ) و كذلك الحال عندما حدثت حركة الإحتجاجت في البحرين تم دعم السلطة في البحرين ضد المحتجين للحد من تزايد النفوذ الإيراني في ظل تزايد الهواجس من تطبيق نظرية ( الهلال الشيعي أو القنبلة النووية الشيعية ) بأعتبار أنها موجهة ضد السنة بالأساس بحيث لا يمكنهم ان يتعايشوا معها .
وكان الشيخ زكزاكي، زعيم الحركة الشيعية في نيجيريا، من أكبر مناصري الفكر الشيعي إبان الثورة الإيرانية. ولتعزيز هذه النشاطات تم تأسيس فرع للمركز الثقافي الإيراني في الخرطوم بهدف نشر المواد الدعائية الإيرانية والأدب الشيعي، وتمنح إيران منح دراسية للطلبة السودانيين وقد تم إغلاق هذه المراكز في السودان .
لعبت العقيدة دور الركيزة الأساسية لرؤية إيران الثورية للعالم الخارجي لقد قدمت الثورة لغة خطابية جديدة ومتفردة للتعبير عن الخارج والداخل فتميزت بإسلامية المفاهيم من خلال الاقتباس الناجح والمؤثر من القرآن الكريم الذي أعطاها الفعالية المطلوبة للتأثير على المتلقي لهذا الخطاب. وتلخص المعيار الأساسي للتمييز والتفرقة على المستوى الخارجي في مصطلح "الاستكبار" وقد اعتبر المنظور الإيرانى مفهومي الاستقلالية والحكم الإسلامي المحورين الأيديولوجيين الرئيسيين، وهما في الواقع المدخلان الأيديولوجيان اللذان أثرا بشكل أو بآخر على تطور العلاقات العربية الإيرانية
مستقبل التغلغل الإيراني في أفريقيا
بعد فوز حسن روحاني برئاسة الجمهورية الإيراني و دخول ايران لعالم جديد لم تعد السياسة الخارجية الإيرانية تقوم على رفض أو تأييد شىء وإنما بناء على موقف مدروس وتحليلها الخاص للمجتمع الدولي فهو اتجاه جديد يختلف عما كان سائدا في العهود السابقة ويسعى إلى تقديم رؤية إيرانية للنظام الدولي ودور إيران فيه.
انتقلت سياسة إيران الخارجية من مجرد كونها سلسلة من ردود الأفعال إلى مرحلة الصياغة الحقيقية التي لها خططتها المستقبلية. وفي هذا السياق طرحت إيران مفهوم حوار الحضارات الذي نجح في إعادة السياسة الخارجية إلى مسارها الثقافي الصحيح بخلاف ما كان سائدا في الماضي من التركيز على الجانب الاقتصادي فقط. أصبح يقوم توجه صانع القرار الإيراني نحو العالم الخارجي على إستراتيجية ثقافية تنطلق من محاولة الترويج للثقافة والحضارة الإيرانية من أجل مزيد من النجاح في سياسة الانفتاح على العالم .
من أهم الإشكاليات التي يواجهها التغلغل الإيراني في أفريقيا مستقبلاً و صانع السياسة الخارجية هي  :
أولاً : طبيعة تحديد علاقة إيران بالولايات المتحدة و الغرب، حيث تكسب هذه العلاقة أهمية محورية في النظام العالمي المعاصر فبناء عليها تتشكل العلاقة مع القارة الإفريقية والعالم الخارجي ككل، أوروبا ، أمن الخليج، النفط والغاز، إسرائيل، فلسطين، العلاقات مع العرب والدول الافريقية.
ثانياً : تزايد ظاهرة التغلغل الإسرائيلي حيث تضع إسرائيل القارة الافريقية على رأس أهداف حملتها الاعلامية الدولية الآتية لمواجهة إيران. ولا تخفي اجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قلقها وانزعاجها من السياسة التي تنتهجها إيران من حيث تقديم العون لإقامة جبهة موحدة ،  حيث ترى إسرائيل ان الجهود التي تبذلها إيران إزاء هذه القارة حولتها الى مرتع واسع وخصب للقيام بنشاطات سياسية وعسكرية واقتصادية ضمن سياسة استراتيجية إيران العامة التي تسعى إلى الهيمنة والمكانة المماثلة لتلك التي تتمتع بها الدول العظمى في الشرق الأوسط.
مثلت إفريقيا منذ البداية أحد المحاور الأساسية لحركة إسرائيل الخارجية ، وقد كانت الدولة العبرية تحاول البحث عن شرعية وجودها من خلال علاقاتها الإفريقية من ناحية، ومحاصرة منظومة الأمن القومي العربي من خلال بوابة إفريقيا من ناحية أخرى. وإذا كانت دوافع إسرائيل من تواجدها في إفريقيا قد انطلقت منذ البداية وفقاً لاعتبارات إستراتيجية واقتصادية وسياسية، فإنها في الآونة الأخيرة تحاول مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد في القارة بشكل أساسي .
ثالثاً : إمكانية بروز قوى أخرى  : حيث إن التغلغل الإيراني في القارة الافريقية يواجه بتحديات خطيرة ربما تستفيد منها قوىً أخرى تتحرك نحو إفريقيا لدعم وجودها الإستراتيجي في إفريقيا ، وبالتالي فإن الساحة الإفريقية أمام منافسة خفية محمومة بين مجموعة الدول الكبرى وإيران.
رابعاً : التحدي العقدي والايديولوجي : فالدول الإفريقية يتبع معظم مسلميها المذهب السني تخشى من مسألة تصدير الثورة الإيرانية ، ولا يزال التشيع هاجساً وعائقاً أمام تدعيم الوجود الإيراني في القارة. كما أن الدول الإفريقية التي لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة والغرب لا ترغب في التضحية بمصالحها مع هذه الدول لصالح إيران.
لعل أهم ما يميز التدافع الدولي الجديد من أجل اكتساب الثروة والنفوذ في إفريقيا بعد نهاية الحرب الباردة، يتمثل في وجود أطراف وقوى دولية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل. وفي الوقت الذي هيمنت فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية على التوجه الأمريكي الجديد تجاه إفريقيا لا سيما في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر فإن الولايات المتحدة ومعها الدول الغربية استبطنت في حركتها الإفريقية مقاومة نفوذ هذه القوى الدولية الصاعدة في إفريقيا.
النتائج و التوصيات :
أولاً : النتائج التي خرجت بها الدراسة :
1 ـ يسعي التغلغل الإيراني في أفريقيا إلى تهديد الأمن القومي العربي ؛ من خلال زيادة حجم التحديات التي تواجه الامن القومي العربي .
2 ـ إستطاعت إيران في فترة وجيزة من أن تحقق تفوق على الدول العربية من حيث التوسع و الانتشار في القارة الإفريقيا بالمقارنة مع العلاقات العربية الافريقية ، و أستطاعت أن تبرز نفسها كقوة مؤثرة لها أمكانيات و قدرات ضخمة .
3 ـ أسهم التغلغل الايراني في افريقيا في نقل مسرح الصراع العربي الايراني في مناطق أخري خارج حدود و نطاق الامن القومي العربي .
4 ـ أستفادت إيران من حالات الازمات و المشاكل التي تمر بها الدول الافريقية لتدعيم تغلغلها في القارة مثل حالات الحصار الذي تفرضه الدول الكبرى أو المناطق التي أهملتها الدول العربية .
ثانياً التوصيات :
1 ـ الإهتمام برصد و تحليل التغلغل الإيراني في القارة الافريقية وذلك من خلال توجيه البحوث و الدراسات المتخصصة ، بغرض توفير أكبر قدر من المعلومات حوله و إتاحتها لصانعي السياسة و متخذي القرار في الدول العربية .
2 ـ زيادة مستوى إهتمام الدول العربية بالقارة الافريقية و تطوير العلاقات بينهما و الوفوق مع الدول الفقيرة في القارة حتي لا تكون سهلة الإستقطاب و التبعية ، خاصة الدول الأفريقية في منطقة القرن الافريقي .
3 ـ توجيه وسائل الإعلام و تسخيرها بما يخدم مصالح الأمن القومي العربي و يحد من توسع و إنتشار التغلغل الايراني في أفريقيا  ، و تأهيل و تدريب العلماء و الدعا لمواجهة ظاهرة التشيع .
4 ـ تنسيق الجهود و المواقف بين الدول العربية تجاه الجمهورية الايرانية على الصعيد الاقليمي و الدولي .
ــــــــــــ
الأستاذ : عمر يحي ، جامعة الزعيم الأزهري ، كلية العلوم السياسية و الدراسات الإستراتيجية ـ السودان .