الأحد، 9 أغسطس 2015

هجرة السودانيين الي الخارج واثرها علي الامن القومي السوداني


المقدمة
تحتل جمهوية السودان مكانة ذات أهمية إستراتيجية من حيث المكان و الزمان جعل منها قبلة لكثير من البشرية ـ أفراد ، قبائل ، مجموعات ـ فهاجرت إليها من كل الطرق حتى تكونت الدولة السودانية المعاصرة ، إلا إنه في الأونة الأخيرة برزت عدد من المتغيرات في البيئة الخارجية و المجاورة مثلت بدورها عامل جذب ، فيما شهدت البيئة السودانية الداخلية تغيرات أخرى كانت بمثابة عامل طرد أدت بدورها إلى دفع السودانيين تجاه الخارج فظهرت بدورها قضية الهجرة إلى خارج السودان ، كانت هجرة السودانيين إلى الخارج تتم بصورة بسيطة ولم تكن لها آثار سلبية كبيرة على السودان إلا إن توسع مفهوم الأمن القومي مع تزايد حجم ومستوى ونوعية الهجرة قد جعلها تمثل تهديد مباشر للسودان .

المطلب الأول : ماهية الهجرة 
يتضح من الصعب إيجاد مفهوم دقيق للهجرة ؛ بحيث ترجع هذه الصعوبة بالأساس إلى تعدد المفاهيم المقدمة من قبل الدول و لإختلاف الأغراض والأهداف التي ترمى إلى تحقيقها ، إضافة إلى الصعوبات التي ترتبط بتعريف الهجرة من حيث المسافة التي يقتعها والمدة التي يقطنها ، بهذا يشير المدلول الإصطلاحي للهجرة بإنها تعني الإنتقال من مكان إلى آخر مع نية البقاء في المكان الجديد لفترة طويلة يستثنى من ذلك الزيارة للسياحة و العلاج أو خلافه وبشكل عام ينظر إلى الهجرة على إنها عبارة عن إنتقال البشر من مكان إلى آخر سواءً كان هذا بشكل فردي أو جماعي لأسباب قد تكون سياسية ، إقتصادية ، إجتماعية ، نفسية أو غيرها .
تعرف الهجرة كذلك بأنها عملية إنتقال أو تغيير دائم أو شبه دائم في مكان إقامة الفرد أو الجماعة من مجتمع أو منطقة إعتادوا على الإقامة فيها ـ تعرف بمنطقة أو مجتمع المنشأ ـ إلى مجتمع أو منطقة أخرى ـ تعرف بمنطقة أو مجتمع المقصد ـ إذا كانت كل من منطقتي المنشأ و المقصد داخل حدود دولة واحدة فتعرف الهجرة بالهجرة الداخلية ، أما إذا كانت منطقتي المنشأ و المقصد في دولتين مختلفتين فتعرف بالهجرة الخارجية وهي في الغالب تتجه إلى خارج حدود الدولة. 
المطلب الثاني : أسباب ودوافع هجرة السودانيين إلى الخارج :

تتعدد وتتنوع أسباب الهجرة ولكنها تتجمع كلها لتدل على وجود بيئتين: الأولى طاردة والثانية جاذبة يترتب عليها حركة السكان من البيئة الطاردة إلى البيئة الجاذبة ويدل التحليل النفسي الإجتماعي لهذه الحركة على وجود بعض العوامل في البيئة الطاردة التي تحدث في نفس المهاجر شعوراً داخلياً ينفر بسببه من بيئته الأصلية ويدفعه للبحث عن بيئة جديدة يتوقع أن تكون ظروف الحياة فيها أفضل من الظروف التي يعيش في ظلها في موطنه الأصلي وتشير بعض الدراسات إلى إن المهاجرين يهاجرون للعمل ، بجانب الأسباب الأخرى وعليه يمكن إستعراض أهم أسباب هجرة السودانيين إلى الخارج في الأسباب الأتية :

1. ضعف التنمية و تدهور الوضع الإقتصادي .
2. العائد المادي الكبير الذي يجنيه المهاجر أو المغترب السوداني من الخارج مقارنة بالعائد المحلي 
3. عدم الإستقرار بسبب الحرب التي شهدها السودان .
4. الفساد السياسي وسيادة ظاهرة الوساطة و المحسوبية في الوظائف .
5. إنعدام فرص العمل و البطالة بصورة كبيرة خصوصاً بالنسبة للخريجين .
6. إرتفاع نسبة الشباب في السودان؛ إذ إن غالبية المجتمع السوداني تقل أعمارهم عن 30 سنة .
7. تنامي الشعور بالإغتراب والإنعزال عن المشاركة في الحياة الإجتماعية السودانية.
8. تدهور القدرة الشرائية للمواطن السوداني وقلة دخل الفرد وإنتشار ظاهرة العنف الأسري .
9. شحن الشباب السوداني بمعنويات الحماس والإصرار علي النجاح ؛ بسبب القصص والحكايات التي تروى عن المهاجرين السودانيين في الخارج وما حققوه من عوائد و مكاسب 
10. الحصول على مكانة إجتماعية مرموقة في المجتمع ؛ بسبب تحسن الوضع الإقتصادي فالهجرة في السودان أصبحت تعطى الفرد مكانة عاليا في المجتمع السوداني.
11. تأثير أجهزة الإعلام و تطور وسائل الإتصال بجميع أشكالها ، هذا يتيح فرصة وإمكانية معرفة طرق ومستلزمات الهجرة إلى الخارج .
12. صعوبة الحد من ظاهرة الهجرة مع توسع طرقها وأشكالها إنتشار شبكات التهرييب البشري وقوة نفوذها وتأثيراتها و إفرازات العولمة وطبيعة النظام العالمي الجديد .

المطلب الثالث : الآثار المترتبة على هجرة السودانيين
المحور الأول: أثرالهجرة على تربية ابناء السودانين
ستمد دوافع الهجرة والاغتراب من ماضي الفرد المتروك والتتطلعات المستقبلية المرجوه ويبدو ان اثر الهجرة والاغتراب لايقتصر على الفرد المهاجر فقط بل قد يمتد ليشمل جميع الافراد الذين يعرفهم والجوانب التي تكونه خصوصاً الابناء ويتضح ان الابناء الذين يتأثرون بالهجرة والاغتراب هم ينقسمون الي ثلاثة فئات :
-;- ابناء نشأوا في وطنهم الاصلي السودان ثم هاجروا مع اسرهم 
-;- ابناء نشأوا في بلاد المهجر 
-;- ابناء تمت ولادتهم في وطنهم الاصلي السودان ولم يهاجروا مع اسرهم

ان اثر الهجرة والاغتراب ينعكس على جميع الفئات سابقة الذكر وعليه يمكن تلخيص أهم أثار الهجرة والاغتراب على تربية ابناء المغتربيين السودانيين في الاتي:

1ـ النشوء على التربية الإمومية أو الأنثوية
ان الأب المغترب في الغالب يظل مشغولاً بعمله وجمع المال وتظل الام موجودة طوال اليوم في البيت وهذا يترتب عليه تولي الام عملية تربية الابناء لذلك يرى ان ابناء المغتربيين يميلون الي أمهاتهم اكثر من ميلهم الى ابائهم. 
2 ـ غياب الامن النفسي
وهي حالة تنشأ من خلال نشأة الابناء في بيئة غير بيئتهم مع استصحاب الانعكاسات السلبية علي الاب والام الناتجة من مشاق وطبيعة فراق الوطن والاهل .
3 ـ ضياع هويتهم السودانية
ينشأ ابناء المغتربيين في بيئة متغلبة الأطوار مجهولة الخصائص لذلك يتميز ابناء المغتربيين بالخصائص الاتية :
-;- قلة معرفتهم بتاريخ السودان القديم والمعاصر و بجغرافيا السودان
-;- .جهلهم بعادات وتقاليد السودانيين الاصيلة
-;- .ركاكة لغتهم العربية ولهجتهم السودانية 

4 ـ صعوبة ملائمتهم للوضع في السودان 
تحدث صعوبة الملائمة عندما يعود المغترب الي وطنه السودان وهنا يجد الابناء بيئة جديدة لا يعرف عنها الا القليل وتنقصه الخبرة والتجربة لذلك كانت سياسة حكومة السودان لمعالجة هذا الامر بوضع المغتربيين في نطاق جغرافي مخصص لهم وتم بالفعل انشاء ( حي المغتربيين بالخرطوم ) ويبدو ان هذه الفكرة قد اثبتت فشلها اذ ان عدد المغتربيين الذين يسكنون هذا الحي لا يتجاوز 20% فقط .

المحور الثاني : أثرالهجرة على التعليم في السودان
تؤثر الهجرة على الأمن القومي السوداني في جانبه التعليمي على ثلاثة فئات هي :
-;- أساتذة الجامعات السودانية .
-;- الطلاب السودانيين .
-;- طلاب المهجر ( ابناء المغتربيين ) .
يتمثل أثرها على أساتذة الجامعات السودانية في هجرتهم إلى الخارج و العمل في الجامعات الاجنبية ، أما أثرها على الطلاب السودانيين في الداخل فتتمثل في بُعدين : بُعد مادي يتمثل في زيادة تكلفة التعليم في الجامعات بسبب قدرة ابناء المغتربيين وضعف قدرة الاسر السودانية ، اما البُعد الثاني فهو بُعد معنوي يتمثل في كيفية التعامل مع ابناء المغتربيين مع الطلاب السودانيين
ان الهجرة والاغتراب تجعل الافراد فئة او طائفة تخلف عن بقية المجتمع لذا كان ابناء المغتربيين في هذا الاطار يعانون من مشكلتين هما :

المشكلة الاولي: صعوبة التأقلم مع الطلاب اذ ينظر الي الطلاب المغتربين بانهم ( حناكيس ) ومن جانب أخر ينظر ابناء المغتربيين الي بقية الطلاب بانهم من طبقة دونية 
المشكلة الثانية : وهي اختلاف المناهج التعليمية وطرق التدريس 
هذه المشكلة دفعت الدولة الي ان تنشئ لهم مؤوسسات خاصة فتم انشأ "جامعة المغتربيين" .
وعموماً أن اثر الهجرة والاغتراب ينعكس سلباً على الابناء لانهم هاجروا او اغتربوا دون رغبتهم ووجدوا انفسهم في بيئة متغلبة تنقصها أصالة السودان وسماحته كذلك يلاحظ ميل ابناء المغتربيين الي اللهو وحب الغناء والطرب وسوء المظهر او تعاطي السجائر والمخدرات والخمور وجميع اشكال الترف خصوصاً اذا وجدوا اصدقاء السوء بجانبهم وكيف لا يحدث ذلك وان جميع وسائل الترف والضياع متوفرة وهي عربة بلا رقابة 

المحور الثالث : الآثار الإقتصادية للمهاجرين و المغتربيين السودانيين

ان من اكثر الاسباب التي تجعل الفرد في السودان يهاجر او يغترب هي أسباب إقتصادية في جوهرها تتمثل في الحصول على اكبر قدر من الاموال والثروة وبالتالي يرى المغترب أو المهاجر ان العائد يجب ان يكون اقتصادي تؤثر الهجرة والاغتراب على الفرد والمجتمع السوداني بصورة اكبر وعليه يمكن الاشارة الى هذه الاثار في المؤشرات الاتية :
-;- ستكون غاية الفرد هي الحفاظ علي ثروته وامواله وبالتالي تصبح جوهر حياة الفرد هي المادة والاموال وجمع الثروة وهذا قد يجعل الفرد يدخل حتي في استثمارات ربوية وغيرها او حسب نظرية الاختزال المادي للحياة .
-;- صعوبة الحصول على وظيفة وذلك لان المهاجرين و المغتربين السودانيين لايستطيعوا ان يقوموا بنفس الاعمال التي كانوا يقومون بها في المهجر لان المهاجر يقبل أي وظيفة حتي ولو كانت غير شريفة ولكنه لايستطيع ان يعمل بها في وطنه .
-;- . يؤثر المهاجرين والمغتربين سلباً علي النظام الاقتصادي خصوصاً في الدول النامية ـ مثل السودان ـ وذلك لان معظم اموالهم يتم تحويلها بطرق غير شرعية ( غسيل اموال ) للتهرب من الضرائب والجمارك التي تفرض عليهم من قبل السلطات السودانية .
-;- البطالة الارادية وهي تنشأ من عدم قبول المهاجر او المغترب بالوظائف المتاحة في وطنه السودان في حالة رجوعه لانها اقل اجراً من العائد من وظيفته في المهجر.
-;- الاستثمار السلبي في الغالب يدخل المغتربين و المهاجريين السودانين في استثمارات غير منتجة مثل العقارات و المضاربات المالية شراء الصكوك و السندات الربوية 
-;- ان حجم الاموال التي يعود بها المغتربيين الي دولهم تجعل منهم طبقة منعزلة عن واقع الامة و الدولة وتحول دون ان يؤثروا ايجابيا على دولهم ومن جانب أخر ان قيمة الشخص المغترب او المهاجر عندما يعود الي وطنه ليس في علمه ولا ادبه او ادآبه انما ينظر اليه المجتمع بنظرة مادية ( شخص عندو قروش ) وبالتالي ترتفع قيمة المغترب كلما ارتفعت وكثرت ثروته
-;- ان غياب التجربة والخبرة لدى المغتربين السودانيين عند عودتهم الى السودان قد يؤدى الى ضياع الاموال التي جمعوها بصورة اسرع وهذا بدوره قد يدفع الشخص الى الاغتراب مرة اخرى عن وطنه 
المطلب الرابع : أثر الهجرة على الأمن النفسي لدى السودانيين

تمثل ظاهرة الهجرة والاغتراب واحدة من أهم الظواهر التي برزت في المجتمعات وكثرت حتي أصبحت غاية لي البعض وهدف لدي الشباب وامنية لدي الكثير فان الهجرة من الوطن الام الي دولة أخرى أصبح بمثابة الخروج من الظلمات الي النور او من الفقر الى الغنى ، يسعى الفرد السوداني المهاجر او المغتربعن و هجرته الي الخارج الى تحقيق اهدافه التي يرسمها وامانيه التي يحلم بها واحلامه التي وضعها ولكن المتأمل لاثر انعكاس الهجرة والاغتراب علي الفرد كمهاجر و المجتمع السوداني كمنبع للظاهؤة انها في الغالب تأتي بنتائج عكسية خصوصاً اذا كانت هجرة غير شرعية وعليه يمكن تلخيص أثر الهجرة والاغتراب علي الفرد من منظور علم النفس في المظاهر الاتية : 
المظهر الأول : العزلة الاجتماعية 
عندما يهاجر الفرد الى دولة ما فانه سيعزل نفسه اجتماعياً ويلغي مبدأ ان الانسان كائن اجتماعي وتنتج هذه العزلة بسبب صعوبة تعامل المهاجرين والمغتربين مع المجتمع الجديد لذلك يلاحظ ان معظم المغتربيين السودانيين يظلون طوال يومهم في بيوتهم او مساكنهم او مهم نائميين بعد انتهاء عملهم الرسمي بالمقارنة بمستوى التفاعل الإجتماعي في السودان .

المظهر الثاني : النظرة الاحتقارية
ينظر الى الشخص الغريب في الغالب بنظرة احتقارية من قبل المجتمع الاخر خصوصاً اذا كانت هنالك فوارق لونية او عرقية او لغوية او دينية ، تظهر النظرة الدونية والعرقية اللونية للمهاجرين السودانيين بصورة أكبر في دول الخليج ، و الدينية و اللغوية في الدول الغربية .

المظهر الثالث : غياب الأمن النفسي
تتجسد جوهر الاثار النفسية لدي المهاجرين و المغتربين السودانيين في ما يطلق عليه مصطلح غياب الامن النفسي الذي ينشئ من صعوبة ملائمة وموائمة المغتربين والمهاجرين مع الوضع الجديد والمجتمع المختلف الذي يعيشون فيه غالباً ما يشعر الشخص المهاجر والمغترب السوداني بحالة من عدم الأمان وتزايد معدل الخوف لديه لاسباب واعتقادات مجهولة

المظهر الرابع : ضياع الهوية السودانية 
ضياع الهوية السودانية والذاتية وهي ترتبط بعنصر صعوبة الموائمة فالمهاجرين والمغتربيين لا يستطيعون ان يتعايشوا مع ثقافة وهوية الدولة التي هاجروا اليها ومن جانب أخر يصعب عليهم الحفاظ علي ثقافتهم وهويتهم الاصلية وهنا يميل المهاجروين والمغتربين الي أي ثقافة او هوية وهنا تضيع هويته الذاتية والقومية وقد يصل الامر الي ان ينتحر الفرد او يصبح مدمناً ومتعاطي للمخدرات 
على الشخص المهاجر او المغترب عندما يفرح بالارباح المادية التي حصل عليها فليتزكر حجم الخسائر المعنوية التي فقدها .
ـــــــ
# أ ـ عمر يحي ، جامعة الزعيم الازهري كلية العلوم السياسية و الدراسات الاستراتيجية

اطروحات ما وراء المستحيل في الفكر السياسي الاسلامي حزب التحرير نموزج


المقدمة 
تعد ظاهرة الإسلام السياسي واحدة من أهم الظواهر التي برزت في الاونة الاخير والتي إستطاعت ان تصل إلى الحكم في بعض الدول ، تتمثل هذه الظاهرة في الاحزاب و الجماعات الإسلامية و بعض المؤسسات والتي تستند على منطلقات الفكر السياسي الإسلامي، يعد حزب التحرير من أهم الاحزاب و التيارات السياسية الإسلامية المعاصرة و الذي يدعو إلى تطبيق مبادئ الفكر السياسي و خصوصاً فكرة الخلافة الإسلامية.
نشأ حزب التحرير في منتصف هذا القرن وهي حزب عالمي يوجد في جميع الدول العربية و الإسلامية ، يجئ هذا البحث كتقييم لإطروحة الحزب و مدى صلاحيتها و حدود الواقعية فيها .

إشكالية الدراسة
يستمد الإنسان أهدافه و طموحاته من الواقع الذي يعيشه و المسلمات البديهية التي تتجسد أمامه و كلما كان الإنسان أكثر تعمقاً حول هذه المسلمات و أكثر واقعية و أصبحت أهدافه و طموحاته اقرب إلى التحقيق وهو ما يعرف باسم " الممكن " ، و إن عدم تعمق الإنسان حول هذه الفرضيات و المسلمات و الإيمان بها يجعله يخرج من دائرة الواقعية و الممكن إلى دائرة الفشل و المستحيل .
يبدو إن هنالك بعض الإطروحات الفكرية قد تجاوزت حدود الواقع و مسلمات العقل فهي لم تصل إلى مرحلة المستحيل بل تخطت هذه الدرجة لتصل إلى مرحلة ما بعد حدود المستحيل أو ما يمكن إن نسميه بإطروحات ما وراء المستحيل ، فإلى أي مدى يمكن إعتبار إطروحة حزب التحرير في العالم الإسلامي إطروحة مستحيلة و ماهي حدود واقعيتها في الفكر السياسي الإسلامي ؟ .
المطلب الأول : الخلفية العامة للحزب التحرير

أولاً : الخلفية التاريخية 
تؤكد المصادر إن حزب التحرير قد تأسس في عام 1953م في القدس بفلسطين على يد القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني ،ثم استطاع الحزب إن ينمو ويتطور بصورة سريعة في الدول العربية و الإسلامية حتي دخل عدد من اعضاءه في البرلمان و مجالس النواب في كل من الضفة الغربية و الأردن عام 1955م وللحزب تواجد في كل الدول الإسلامية و بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وروسيا و ألمانيا و الدنمارك و دول آسيا كذلك ، يرأس الحزب الآن عطا أبو الرشتة أو ما يسمونه بالأمير .
ثانيا ً : أهداف حزب التحرير 
هنالك هدفين فقط يسعى الحزب إلى تحقيقهما :
1. تطبيق الشريعة الإسلامية كما جاءت في مصادر التشريع الإسلامي .
2. إقامة نظام ( الخلافة الإسلامية ) و إلغاء القومية الحالية .
كانت من أهم الأسباب التي أدت إلى نشوء و ظهور الحزب هي تزايد دور الدولة القومية و إلغاء نظام الخلافة في تركيا على يد مصطفى كمال اتاتورك عام 1924م . 
ثالثاً : المنطلقات الفكرية لحزب التحرير
1. إسلامية النظام السياسي و هو تطبيق نظام الخلافة كما كانت مطبقة في عهد النبي صل الله عليه وسلم و الخلفاء الراشدين .
2. رفض وتحريم بقية الأنظمة السياسية الأخرى .
يتخذ الحزب من القرآن و السنة أول مصادره و منطلقاته الفكرية حول القضايا التي تواجه المجتمع ولعل أهم ما يميز الحزب إنه يمتلك تصور كامل كيفية تطبيق نظام الخلافة ودستور إسلامي مكتوب شارك في إعداده عدد من العلماء و المفكرين المسلمين .
المطلب الثاني : حدود الواقعية في إطروحة حزب التحرير
أولاً : من حيث الهدف
إن فكرة إقامة دولة خلافة بدلاً من الدولة القومية المعاصرة يعد هدف غير حقيقي أو واقعي وذلك لان الدولة القومية الان أصبحت حقيقة حتمية بل إمتدت ليظهر بعدها مفهوم الدولة الأثنية أو القبلية أو العرقية مثل حال كثير من الدول الإسلامية المعاصرة " دولة آل سعود السعودية ، و آل هاشم الاردن ، و الدولة العرقية العربية مثل مصر و الإمارات ليبيا العراق ، إذا كانت معظم الدول تعلن عن هويتها بإنها عربية فكم عدد الدول التي تسمي اسمها بجمهورية ..... الإسلامية أو المملكة ..... الإسلامية ؟ .
ثانياً : من حيث التجربة 
كثيراً ما تركز حركات الإسلام السياسي في تقديم إطروحاتها على تجربة " دولة المدينة " التي كانت في عهد الرسول صل الله عليه وسلم و مرحلة الخلافة الراشدة من بعدها ، وتكمن المشكلة في إن حزب التحرير يدعو إلى تطبيق نظام الدولة الإسلامية و الخلافة على كل المسلمين ، و من خلال إستقراء واقع تجربة الإسلام السياسي يتضح إن عامل الفرقة و الإنقسام كان موجود فكانت هنالك إمارات و أمصار تنتمي إلى دولة الإسلام دينياً و منقسم عنها سياسياً و جغرافياً .
ثالثاً : من حيث مركزية الإنطلاق و الخليفة 
إذا كانت مركز قيادة الدولة الإسلامية يقع في مكة و المدينة و كان الرسول صل الله عليه و سلم هو القائد لها ، فإين ستكون رئاسة و مركز الخلافة الإسلامية حسب نظرية حزب التحرير ؟ .
و السؤال الثاني : من هو الخليفة ؟.
رابعاً : ضعف الخبرة و التجربة للحزب 
منذ نشؤ حزب التحرير عام 1953م لم يستطيع إن يصل إلى الحكم في أي من الدول الإسلامية بإستثناء مشاركته في بعض البرلمانات و المناصب وهي قليلة جداً ، و بالتالي تصبح إطروحات حزب التحرير عبارة عن قوانين مكتوبة و نصوص نظرية لا أكثر .
خامساً : واقع الإسلام المعاصر 
تعاني كل حركات و تيارات الإسلام السياسي اليوم من هجمة فكرية و سياسية كبيرة أفقدتها القدرة على الطرح الفكري و النمو و التطور فكل حركات الإسلام السياسي اليوم هي في موقع المدافع و ليس المهاجم ونظرياتها وتفتقد لمبدأ المبادرة و مواقفها تأتي كرد فعل لمواقف آخرى ، فقد أصبح " الإسلام السياسي " مصطلح يثير كثير من التهكم و السخرية و يرمز للرجعية بسبب التجارب التي خلفتها بعض الحركات و الحزاب الإسلامية التي وصلت إلى الحكم في بعض الدول الإسلامية أو العربية .
المطلب الثالث : مستقبل حزب التحرير في العالم الإسلامي
من المسلمات البديهية في الفكر السياسي هو إنه لايوجد نظام أفضل للحكم في السياسة و أفضل نظام سياسي لدولة ما هو النظام الذي يلبى طبيعة الواقع و يشبع حاجيات الشعب و يؤدى إلى تحقيق الأمن و الإستقرار .
من هذا المنطلق يمكن القول إنه إذا كان نظام " الخلافة الموحد " لرئيس وأحد على كل الدول الإسلامية أو المسلمين قد كان نظام جيد و مقبول في عهده فقد يكون غير مناسب في الوقت الحالي لان الواقع التاريخي لتجربة الدولة الإسلامية قد برهن فشل فكرة دولة الخلافة فتفككت إلى ولايات و ممالك حتي إلغيت بصورة كلية عام 1924م وظهرت على آثارها الدولة القومية الحالية.
يتضح من خلال تحليل منطلقات إطروحة حزب التحرير حول الخلافة إنها غير واقعية و لا يمكن تطبيقها و بالتالي فإن مستقبل الحزب قد يكون مستقبل غير أيجابي قد ينتهى به إلى الزوال و الفناء إلا إذا حدثت متغيرات جديد تؤدى إلى بقاء و إستمراريته ، ويمكن تلخيص هذه المتغيرات في عاملين :
العامل الأول : وهو حدوث " معجزة تؤدى إلى ترابط الدول و الشعوب الإسلامية بصورة كبيرة .
العامل الثاني : تراجع الحزب عن فكرته و الرضوخ للواقع وهذا يعني إعادة صياغة أهداف و منطلقات إطروحة الخلافة الإسلامية .
متطلبات الدولة الحديثة و المعاصرة 
لقد تخطت الإسهامات الأدبية في الفكر السياسي في الوقت الحاضر فكرة الدولة القومية و الدولة الدينية و الدولة الملكية و العسكرية ليتم الحديث عن الدولة الحديثة أو المعاصرة وهي دولة يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط وهي :
1. الوجود المادي .
2. الأمن و لإستقرار .
3. النمو و التطور .
أولاً : الوجود المادي 
i. وهو يعني إن تكون الدولة موجود فعلياً وهذا يتطلب عنصرين :
ii. وجود حدود جغرافيا وشعب .
وجود حكومة أو سلطة تدير هذه الدولة .
ثانياً : الأمن و الإستقرار 
وهو كذلك يتطلب تطبيق عنصرين :
i. وجود دستور عادل يحدد الحقوق و الواجبات بين الشعب دون أي تميز .
ii. تطبيق نصوص هذا الدستور على أرض الواقع .
ثالثاً : النمو و التطور 
وهو يتحقق من خلال عنصرين 
i. وجود موارد طبيعية للدولة أو الحصول عليها 
ii. وضع خطة و أستراتيجية لإدارة هذه الموارد 
إذا تحققت هذه الشروط الثلاثة لاي دولة أو شعب فإنه لايهم إن تكون الحكومة أو السلطة إسلامية أو دينية أو عسكرية أو غيرها وهذا ما أخفقت فيه معظم الأحزاب السياسية و الفكر السياسي المعاصر
ــــــــــــ
* أ / عمر يحي ، جامعة الزعيم الازهري كلية العلوم السياسية و الدراسات الاستراتيجية

تهافت الفلاسفة ابن رشد و الغزالي


اولا :الإمام الغزالي
هو أبو حامد محمد ابن محمد الغزالي ولد في طوس في إقليم خراسان، نشأ في بيت فقير ودرس الفقه ثم التحق بالمدرسة النظامية في نيسابور ودرس فيها علم أصول الفقه وعلم الكلام وبرع أيضا في المنطق والفلسفة ألف الغزالي كتابه تهافت الفلاسفة في القرن الحادي عشر الميلادي ، ليهاجم فيه آراء الفلاسفة و معتقداتهم
ثانيا : ابن رشد
هو أبو الوليد محمد ابن أحمد ابن محمد ابن رشد ولد و عاش ابن رشد في الأندلس حيث كان قاضيا في قرطبة مسقط رأسه وكان يعيش في بلاط الموحدين طبيبا ومستشارا علميا كتب العديد من الشروحات على أعمال أرسطو والتي ترجمت إلى اللاتينية والتي كان لها أكبر الأثر في المدارس الفكرية في عصور أوروبا الوسطى فتح أمام علماء أوروبا أبواب البحث والمناقشة على مصراعيها .
ثالثا : ابتسومولوجية تهافت الفلاسفة و تهافت التهافت وسبب الصراع
واجه الفلاسفة آراء الغزالي بعد ذلك بالنقد و التمحيص ، خاصة ابن رشد الذي ألف كتابه تهافت التهافت ، للرد على الغزالي ، وذلك في القرن الثاني عشر الميلادي اعتمد الغزالي في الرد على الفلاسفة وعلى أرسطو خاصة على ما نقله ابن سينا والفارابى ، و ارتبط في ردوده على الفلاسفة على ما يتعلق بالنزاع فيه على أصل من أصول الدين كالقول في حدوث العالم وحشر الأجساد وصفات الله ويرى أنهم أنكروا جميعا ذلك و أن مذهبهم لا يصدم أصلا من أصول الدين وأن إيمانهم بالرسل والأنبياء لا شك فيه وإنما هم تخبطوا في تفاصيل هذة الأصول وقد زلوا فيها فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.
دافع ابن رشد عن الفلسفة وصحح لعلماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابى في فهم بعض نظريات أرسطو و درس علم الكلام والفقه والشعر والطب والرياضيات و الفلك والفلسفة و خالف الغزالي الفلاسفة في عشرين مسألة تدور ستة عشر منها حول الإلهيات التي تبحث في الغيبيات مثل قدم العالم وحدوثه- مسألة الوجود و الخلود- ذات الله وصفاته ونفي الشريك عنه – الصانع أم الدهر- العلم بالجزئيات والكليات والأربع مسائل الأخرى تدور حول الطبيعيات مثل جوهرية النفس واستقلالها عن البدن ومسألة خلودها -حشر الأجساد.
رابعا : تقييم اطروحات الإمام الغزالي
1. وضع الإمام الغزالي حكماً وهدفاً مسبقاً عند مناقشة آراء ومعتقدات الفلاسفة ، وهو موقف غير محايد لا يصح إتخاذه كأساس لبحث موضوعي ، يعطي نتائج موضوعية تحتمل قبول رأي الطرف الآخركلياً أو رفضه كلياً ، أو قبول بعضه ورفض بعضه .
2. أنه نسب إلى الفلاسفة آراءً وأقوالاً وأمثلةً لم يثبت صدورها عنهم ، ثم قام بتحليل مانسبه إليهم واستخلص منه نتائج ، وبذلك تكون هذه النتائج غير مبنية على أساس واقعي . فقد وصف الغزالي الفلاسفة الإسلاميين أنهم مقلدون للفلاسفة اليونانيين ، في حين أن ابن سينا كان يصرح بأنه سيأخذ ما صح فقط عند أرسطو 
3. أن الغزالي حكم بوعيه في العقيدة و تأويله لأصول الدين على الفلاسفة في حين أن تجربة الإنسان الإيمانية ووعيه عن حقيقة الإيمان وكيفية إيمانه هي مسائل خاصة به يلتزم هو بها ولا يجوز فرضها على الآخرين . 
4. أنه أنكر على الفلاسفة استخدام العقل والوصول عن طريقه إلى أمور أتى بها الشرع ، وهذا منافي لتوجيهات الشرع من الحث على استخدام العقل ،
خامسا: تقييم منهجية الفلسفة عند ابن رشد
1. قد سلك ابن رشد مسلكاً موضوعياً عند النظر في آراء الآخرين ، سواء فيما يتعلق بآراء الغزالي أو الفلاسفة المسلمين أو غيرهم من الفلاسفة ، فلم يرفض كل ما قالوه ولم يقبل كل ما قالوه . 
2. اهتم ابن رشد في إظهار أن الشرع قد أوجب النظر في الموجودات و الوجود
3. يعتمد ابن رشد علي القياس البرهاني في النظر إلى الموجودات ، و البرهان هو كل ما ينطلق مما هو مشاهد ومحسوس . 
4. يرى ابن رشد أن أصول الدين موضوع إيمان فلا يجوز للعقل الجدال فيها ، لأنها تتعلق بموضوعات غيبية تقع خارج ميدان العقل وخارج البديهة و الحس ، أما مقاصده فهي حمل الناس علي الفضيلة بواسطة العمل ووفق ما يقرره الشرع ، و مما تعطيه الشريعة من معرفة حول ظواهر الكون ، هو إما من أجل تنبيه العقل إلى إمكانية توظيف قواه في إنتاج معرفة إستدلالية ، تذكي المعرفة الإيمانية التي تعطيها هذه الأصول ، و إما من أجل توجيهه نحو إعمال العقل في تطبيق الشريعة حسب الظروف ، لتوجيه الإنسان في كل وقت نحو الخير و الفضيلة والسعادة . أما الفلسفة فلها أصول خاصة بها يضعها العقل ويسلم بها أو يبرهن عليها ، يستقيها من الحس و التجربة و بديهية العقل ، وهدفها هو بناء معرفة صحيحة بالكون بجميع ظواهره و أسبابه ، وتهتم أيضا بسلوك الإنسان الفردي و الجماعي ، وهدفها توجيه الإنسان نحو الخير و السعادة .
نتائج الصراع من المنتصر ؟ 
مثل كل من الفارابي و ابن رشد حلقة في مسار تطور الفلسفة و كان لكتاب تهافت الفلاسفة من آثار على أذهان الناس فقد جعلهم ينقسمون فريقين فريق يهاجم الفلسفة والفلاسفة وفريق آخر لا يهاجم الفلسفة والفلاسفة ورموا ابن رشد بالزندقة و نفئ وسائر الفلاسفة وأمر بمنع علوم الفلسفة من أن تدرس وإحراقت كتب الفلسفة ومن بينها كتب ابن رشد
أن كلاً من ابن رشد والغزالي قد استخدم العقل في الخوض في مسائل غيبية ، سبق أن اعترف كلاهما أنه لا يجوز الخوض بالعقل فيها ، فهي أمور خارج دائرة إحاطة العقل ، وعليه فإن ما وصل إليه كل منهما هو نتيجة ظنية وليست قطعية أن العلاقة بين الفلسفة التي تمثل العقل ، والشرع الذي يمثل الدين ، هي أن الفلسفة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة ، وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة ، وأي خلاف بينهما إنما يرجع إلى فهم الإنسان و العقل لهما 
بالرغم من مهاجمة الغزالي للفلسفة والفلاسفة ليهدم فكرهم ومعتقدهم ، إلا أنه أذكي الفكر الفلسفي بسبب صدى الآراء الهائل لكتابه ، وواجه الفلاسفة بعد ذلك آراءه بالنقد والتمحيص ، خاصة ابن رشد الذي كتب كتابه تهافت التهافت في القرن الذي تلى كتابه تهافت الفلاسفة . والفلسفة قد عرفت قفزة نوعية ، بعد تأليف كتاب الغزالي ، في الشرق و الغرب و انتشرت الفلسفة و ظهر الفلاسفة بالرغم من صراع ابن رشد و الفارابي 
عندما يتصارع الفلاسفة تنتصر الفلسفة
ـــــــــــــــ
أستاذ . عمر يحي ، جامعة الزعيم الازهري كلية العلوم السياسية و الدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

مقارنة بين تجربة الوحدة في السودان و اوروبا

مقارنة بين تجربة الوحدة في السودان و أوروبا
أ ـ عمر يحي أحمد

واقع التجربة السودانية

مرت التجربة السودانية في الوحدة بمراحل عديدة من قبل ظهور الدولة السودانية  المعاصرة حتي مرحلة ما بعد الاستقلال و استمرت هذه المرحلة حتي انتهت باﺑﺮﺍﻡ ﺍﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ ﺑﻴﻦ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻣﻤﺜﻠﺔ ﻓﻲ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﻤﺆﺗﻤﺮ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ، ﻭﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﺔ ﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻓﻲ ﻳﻨﺎﻳﺮ .2005 ﻓﻤﻨﺬ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻧﻔﺼﺎﻝ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ، ﺗﺸﻬﺪ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻣﺂﺯﻕ ﻣﺴﺘﻤﺮَّﺓ ﻭﻣﺘﺘﺎﺑﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻄﺎﻕٍ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺒﻮﻕ، ﻭﻣﻨﺎﺥ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻣﺤﺘﻘﻦ ﻭﻣﺘﻮﺗﺮ باعتبارها مرحلة تتطلب الاستعانة بنموذج للوحدة مثل تجربة الاتحاد الاوربي

 من أهم الملاحظات في تاريخ التجربة السودانية في الوحدة هو ان ﻫﻨﺎﻙ ﺍﺳﺘﻘﻄﺎﺏ  داخلي ﺣﺎﺩ ﻭﻣﻠﺤﻮﻅ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ، ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ ﺍﻟﺴﻠﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ، ﻋﻠﻰ ﺣﺪٍ ﺳﻮﺍﺀ، ﻭﺑﻌﺾ ﻣﻨﻈﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺍﻟﺘﻜﺘﻼﺕ ﺍﻟﺸﺒﺎﺑﻴﺔ، ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ . مع تزايد ﺍﻻﻧﺸﻘﺎﻗﺎﺕ ﻭﺍﻻﻧﻘﺴﺎﻣﺎﺕ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﻭﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺤﺮﻛﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ، ﻭ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ومعظم مكونات منظومة الوحدة السودانية  
                              
وثمة متغيرات تتربع على خارطة الوجود السوداني يتمثل في ﺗﻨﺎﻣﻲ ﺍﻟﻮﻻﺀ ﺍﻟﻘﺒﻠﻲ ﻭﺍﻟﻌﺮﻗﻲ، ﻭﻇﻬﻮﺭ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩﻳﻴﻦ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻄﺮِّﻓﺔ ﻭﺗﺼﺎﻋُﺪ ﻧﺸﺎﻃﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﻌﻨﻴﻔﺔ ﻭﺍﻟﻤﺮﻋﺒﺔ . ﻭﻳﺘﺠﻠﻰ ﻫﺬﺍ في اشتعال ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﺍﻟﻤﺴﻠﺢ ﻭﺗﺪﻫﻮﺭ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻷﻣﻨﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﺭﻓﻮﺭ ﺑﻮﺗﻴﺮﺓ ﻣﺘﺴﺎﺭﻋﺔ، ﻭﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﺪﺍﺋﺮﺓ ﻓﻲ ﺟﻨﻮﺏ ﻛُﺮﺩُﻓﺎﻥ ﻭﺍﻟﻨﻴﻞ ﺍﻷﺯﺭﻕ، ﻭﺗﺮﺩِّﻱ ﺍﻷﻭﺿﺎﻉ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﻭﺗﻔﺸﻲ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ، ﻭﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻟﻤﺘﻮﺗﺮﺓ ﻣﻊ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ و دول الجوار ﻭﺷﺒﺢ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻳﻠﻮﺡ ﻓﻲ ﺍﻷﻓﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴُّﻮﺩﺍﻧَﻴْﻦ، ﻭﻓﻮﻕ ﺫﻟﻚ ﻛﻠﻪ، ﻛﻴﻔﻴَّﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣُﻞ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴَّﺔ

معوقات تطبيق التجربة الأوروبية في السودان

هنالك عدد من الاعتبارات التي يمكن تعيق تطبيق تجربة النموذج الاوروبي في السودان يمكن تلخيصها في الاتي :
1.                ﺗﺼﺎﻋﺪ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟمسلح و العمف و ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺠﻨﻮﺏ ومناطق النيل الازرق و جنوب كردفان
2.                ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﺘﻮﺍﻓُﻖ ﻭﺍﻟﺮﺅﻳﺔ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ ﻟﻠﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ السودانية ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ مما يجعله ﻳﺤﻤﻞ ﻣﺆﺷﺮﺍﺕ ﺗﻨﺬﺭ ﺑﺘﻔﺘﺖ ﺍﻟﺴُّﻮﺩﺍﻥ . ككل
3.                لاتوجد بالسودان ﻣﺆﺳﺴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺷﺮﻋﻴﺔ ﻭﻣﺘﻤﺎﺳﻜﺔ يمكن من خلالها الانطلاق نحو الوحدة  ﻭﺍﻻﻓﺘﻘﺎﺭ ﺇﻟﻰ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻘﻀﻴَّﺔ ﻭﺍﻟﻬﺪﻑ ﻭﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴَّﺔ، ﻭﻣﺎ ﻧﺸﻬﺪﻩ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻘﻄﺎﺏ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﺑﻴﻦ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻤﺘﺼﺎﺭﻋﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ، ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺨﻂ ﺍﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﻴﻦ ﺳﻘﻮﻁ ﻨﻈﺎﻡ حكم قائم الآن ﻭﺗﻔﻜﻚ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺭﻓﻴﻌﺎً ﺟﺪﺍً .
4.                ﺍﻟﺘﻬﻤﻴﺶ ﻭﺍﻟﻤﻈﺎﻟﻢ ﺍﻟمتجسدة  ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ المهمشة بالاضافة الي  ﺍﻟﻐُﺒﻦ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻠﻔﻘﺮﺍﺀ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻀﻌﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﻧﻔﺴﻪ، ﻣﻤﺎ ﻳﻬﺪِّﺩ ﺑﻨﺴﻒ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ

كيفية تطبيق نموذج الأوروبي في السودان

مقارنة بين خصائص التجربتين السودانية و الاوربية

أخذت إستراتيجية بناء الوحدة الأوروبية ثلاث خصائص رئيسية.
1.    تمثلت الأولى في الانطلاق من القضايا الصغرى والجزئية إلى القضايا الكبرى والإستراتيجية
2.    تمثلت الثانية في عدم النظر إلى قضية الوحدة كمعطى يجب التسليم به منذ البداية، وفرضه في الممارسة اليومية على جميع الدول الداخلة في الاتحاد أو المرشحة له، بقدر ما ظل قيمة عليا يمكن للدول الأعضاء أن تصل إليها بمحض إرادتها ومن خلال تفاعلاتها البينية.
3.    تمثلت الخاصية الثالثة في اعتماد إستراتيجية الدمج التي تميزت بها تجربة الاتحاد الأوروبي، ونجاحه في امتلاك هذا القطب المغناطيسي الجاذب والقادر على دمج دول داخل قطار الوحدة الأوروبية، يبذل في هذه العملية جهدا متبادلا بين الدول التي أسست الاتحاد الأوروبي وبين الدول المرشحة للانضمام إليه.

خصائص الوحدة و الاتحاد في السودان

تقابل هذه الخصائص المميز للتجربة الأوروبية في الوحدة ثلاثة ﺳﻴﻨﺎﺭﻳﻮﻫﺎﺕ ﻟﻠﺘﻐﻴﻴﺮ والوحدة للسودانية كدولة لتطبقها و مقارنتها بالنموذج الاوروبي وهي :

. ﺍﻟﺴﻴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺍﻷﻭﻝ :
 ﺍﻹﺑﻘﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﺮﺍﻫﻦ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻤﺮَّ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﺮﺍﻫﻦ، ﻭﻟﻮ ﺑﺘﻐﻴﻴﺮﺍﺕ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﻭﺳﻄﺤﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟدولة ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﻭﺑﻌﺾ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺎﺕ، ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻨﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﻣﻦ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﺩﻭﻥ ﻣﺴﺎﺱٍ ﺟﻮﻫﺮﻱ ﺑﺒﻨﻴﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﺗﺮﻛﻴﺒﺔ ﺍﻟﺤُﻜﻢ و المجتمع السوداني .

ﺍﻟﺴﻴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ : ﺗﻔﻜﻚ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ
ﻳﻔﺘﺮﺽ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﻴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺗﺼﺎﻋُﺪ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻤﺴﻠَّﺢ، ﻓﻲ ﺷﻜﻞ ﺣﺮﺏ ﺍﻟﻌﺼﺎﺑﺎﺕ، ﺃﻭ ﺍﻟﺰﺣﻒ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ، ﺑﻬﺪﻑ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺿﻐﻮﻁ ﻣﺘﻮﺍﺻﻠﺔ، ﺟﻨﺒﺎً ﺇﻟﻰ ﺟﻨﺐٍ ﻣﻊ ﺟﻬﻮﺩ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ ﺍﻟﺴﻠﻤﻴﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﻬﺎ ﺑﻘﻴﺔ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ،

ﺍﻟﺴﻴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ : ﺍﻟﺘﺴﻮﻳﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﺸﺎﻣﻠﺔ و تطبيق التجربة الأوروبية في السودان

ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﻴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ ﺃﻥ ﻳﻨﻘﺬ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻣﻦ ﺍﻻﻧﺰﻻﻕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ، ﻭﻳﺤﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺍﻧﻬﻴﺎﺭ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ، ﻭﻳﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺓ ﺃﺭﺍﺿﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ . ويفرض ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﺘﺤﻮُّﻝ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﺳﻠﻤﻴﺎً ﺑﺘﻮﺍﻓُﻖ ﻛﻞ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، بصورة تؤدي الي تطبيق النموذج الاوربي في السودان وذلك من خلال الاتي :
1.    ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﺸﻜﻴﻞ ﺣﻜﻮﻣﺔ وطنية شاملة هدفها الوحدة و تطوير السودان ككل ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﺪﻳﻬﺎ ﺍﻟﺜﻘﻞ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺗﺘﻤﺘﻊ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺷﻌﺒﻴﺔ،
2.    ﺍﻻﺗﻔﺎﻕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻋﻠﻰ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﻭﻃﻨﻲ ﻳﺠﻤﻊ ﻛﻞ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، ﺟﻨﺒﺎً ﺇﻟﻰ ﺟﻨﺐ
3.    ﻭﺍﻹﺷﺮﺍﻑ ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻻﺳﺘﺤﻘﺎﻗﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺒﻘﻴﺔ ﻹﻧﻔﺎﺫ ﺍﻟﺘﺤﻮُّﻝ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ، ﻭﺍﻟﺘﻮﺻُّﻞ ﺇﻟﻰ ﺗﺴﻮﻳﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻋﺎﺩﻟﺔ ﻟﻠﻨﺰﺍﻉ ﻓﻲ ﺩﺍﺭﻓﻮﺭ  شرق السودان

قراءة لمستقبل التجربة الاوروبية و السودانية

 أبرز ما ميز تجربة الاتحاد الأوروبي عن تجربة السودان ان حدثت أنها كانت محاولة مستمرة لصناعة كيان لم تكن المؤشرات الأولى تدل على أنه قادر على النمو والاستمرار، بل ومثل نموذجا مختلفا وفريدا في تاريخ تجارب الوحدة في العالم أجمع، في مقابل نماذج الفشل في العالم العربي، ونماذج التجارب الساكنة التي ورثت أوضاعا مستقرة
وتبقى عملية التطور البناء من أبرز سمات التجربة الأوروبية، والتي تحولت فيها من سوق تجارية إلى مجموعة اقتصادية سياسية ثم إلى اتحاد. ونجحت في تقديم رؤى سياسية قادرة على التأثير في كل مرحلة، ودفعها إلى الأمام بصورة لم تكن نقطة البداية التي انطلقت منها تبشر بالوصول إلى الخطوة التالية.
أخذ الحيز الثقافي في التجربة الأوروبية أبعادا مركبة تحمل كثيرا من التعقيد والخصوصية علي السواء، فمن ناحية احتوت الثقافة الأوروبية علي مكونات مشتركة كثيرة وعرفت خبرتها الثقافية في القرون الوسطي وأثناء عصور النهضة تجارب متشابهة.
فإن الاقتراب من التجربة الأوروبية في التكامل يؤكد أنها امتلكت مكونات ثقافية وتاريخية مشتركة كثيرة، ولكنها عرفت في تجاربها وخبراتها الاجتماعية والسياسية الكثير من الصراعات التي حجبت في كثير من الأحيان رؤية هذه المكونات الثقافية المشتركة، كالحروب بين البلدان الأوروبية، أو القطيعة مع باقي الجيران الأوروبيين كما حدث مع بلدان أوروبا الشرقية.
من الصعب اعتبار تجربة الوحدة الأوروبية تجربة وحدوية بنفس المعني في السودان تماما مثلما لانها نتاج للفكر القومي الأوروبي. فقد انطلقت، على عكس التجربة السودانية، من الواقع العملي والمؤسسي المعاش من أجل بناء الكلي والعام المتمثل في الوحدة الأوروبية. هذا الوضع لم يعن بأي حال من الأحوال غياب تصور سياسي ومشتركات ثقافية تجمع بين دول القارة العريقة، بل علي العكس فقد شكلت الرؤية السياسية الشاملة والتاريخ الثقافي المتقارب الإطار العام الديناميكي الذي تحرك في إطاره مشروع الوحدة الأوروبية.
وهنا يكمن الفارق بين تجربة الوحدة الأوروبية و التجربة السودانية فأوروبا لم تتعال عن تفاصيل الواقع المعاش، ولم تتجاهل منذ البداية التباينات، بل وأحيانا التناقضات، الموجودة بين كل دولها تحت شعارات الأخوة الأوروبية أو المصير والتاريخ الأوروبي المشترك، إنما اعترفت بها واعتبرت التعامل الواقعي معها هو نقطة الانطلاق لتأسيس مشروع الوحدة الأوروبية، الذي لم يحكمه الشعار الأيديولوجي إنما الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي حكمه إطار وتصور سياسي رحب، وليس نصا أيديولوجيا مغلقا.
وفي هذا السياق، وعلي خلاف ما يروج له البعض، لم تنح تجربة الاتحاد الأوروبي الثقافي والسياسي والاستراتيجي من مشروعها، بل علي العكس فقد وضعتها في الإطار الرحب والعام، أي الإطار الصحيح، لكي يشكلوا قوة دفع تساعد على إنجاز التفاصيل الوظيفية والمؤسسية للتجربة لا تحويرها لتدخل قسرا داخل السياسي والأيديولوجي. ولعل هذا ما جعل مشروع الوحدة الأوروبية منذ انطلاقه في عام 1957 محاولة دائمة لصياغة واقع أوروبي جديد ينحو بشكل متدرج نحو الوحدة، ويعمل علي بناء معايير أوروبية شبه موحدة تحاول كل دولة أوربية أن تكيف نظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفقا لها.
تميزت تلك المعايير بأنها تدخل مباشرة في نسيج المجتمع، وتعمل على ضبط أداء مؤسساته وفق معايير تفصيلية شاركت في صياغتها الدول الأوروبية، فهناك معايير سياسية تخص قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأخرى اقتصادية لا تتعلق فقط بمستوي معين من النمو الاقتصادي، وإنما أيضا بقوانين تخص الإعفاءات الجمركية بين الدول الأعضاء والسوق المشتركة، وبقوانين تنظم تصدير الحاصلات الزراعية بين الدول الأعضاء وعملية صيد الأسماك، وأخيرا قوانين تنظم حرية المعلومات والإعلام والأنشطة الثقافية والتعليم.
وهكذا، كانت قوانين تجربة الاتحاد الأوروبي مصوبة أساسا نحو المجتمع، ولم تكن مشروعا فوقيا يضع أهدافا سياسية عليا منعزلة عن الواقع المعاش منا هو الحال في الواقع السوداني . بل على العكس، فقد حاولت التجربة الأوروبية أن تحول مشروعها السياسي إلى قضية مجتمعية، يساهم المواطنون في بلورته. وأصبحت قضية الوحدة بعيدة عن كونها قضية إستراتيجية عليا تخص النخبة، إنما هي قضية شعوب، وبالتالي خاطبت منذ البداية مصالحهم وسعت إلى التعبير عنها ونجحت إلى حد كبير في دمج القيمة العليا المتمثلة في الوحدة الأوروبية في الواقع والهموم اليومية المعاشة.
وفي المقابل، بدت تجربة الوحدة السودانية ، وكأنها قضية نخبوية تعالج القضايا الكبرى للأمة السودانية كالنهضة  و السودنة و نيل الاستقلال و انفصال الجنوب و امكانية الصراع المحتمل كما أمتدت لتشمل القضايا السياسية الكبرى مثل تحرير فلسطين وبناء دولة الوحدة. وبدت وكأنها لا يعنيها منذ البداية مصالح الأفراد أو المواطنين  السودانين الذين يفترض أن يستهدفهم هذا الخطاب.
إن هذه المفاهيم السياسية في اتجاه الوحدة السودانية أدت بها إلى الانتكاس والتراجع، لأنها اختزلت نفسها في الأدبيات الأيديولوجية مثل التعريب و الاسلمة و المشروع الحضاري  دون أن تحاول الاقتراب من الواقع ولم تتخذ النخب السياسية السوداني بالاعتراف بالمواقع الذي به تباينات كثيرة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية و الدينية و، وأن الاعتراف بهذه التباينات يفتح الباب أمام اكتشاف الوسائل المناسبة لتقليصها، عبر بناء مشروع للوحدة من أسفل
بالرغم من ان السودان له تاريخ و ارث حضاري قديم لم يسهم ذلك في انتاج وعي بالوحدة و الاتحاد أما في الحالة الأوروبية فقد تم صناعة الوحدة، عبر صناعة الوعي بها مع البدايات المبكرة للحديث عن الوحدة الأوروبية والوعي الأوروبي.
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أ ـ عمر يحي أحمد 
 جامعة الزعيم الأزهري كلية العلوم السياسية و الدراسات الإستراتيجية ـ السودان


تساؤلات حول الفلسفة العقلية

تساؤلات حول الفلسفة العقلية
* أ ـ عمر يحي أحمد


هل يولد عقل الإنسان مع الإنسان أم يولد الإنسان مع العقل ام يظل ساكنا فيه وما معه من معرفة أو وسيلة تفكير ، ودون فـكـر أو قــوة إدراك ، لا يعرف نفسه بنفسه وما هو بشيء بين الأشياء ، يُعتنى به بالعلم والتفكير دليــله ، والحقيقة مبتغاه ، وأي حقيقة هي؟ حقيقة مجهولة ، يسعَى الإنسان أن يبعد عقله عن الجهل والأمية ، فينطلق باحثا مفكرا بعقله في عقله و بتفكيره لعله يجد نفسه في نفســه أو علماً في عقله فاذا كان في عقل الإنسان علم وفكر فلماذا يفكر بعقله، اويحاول ان يفهــم ما حــولــه بدقة ، فلا يجد حلا قريبا لأن الطبيعة علمته أنما هو فيها متمتع بما فيها دون أن يتعرف على نفسه ، فيريد تركها ليفكر في داخله ، في عقله و ما هو عقل الإنسان وما هو الإنسان .
أن للعقل مراتب كثيرة و ان للإنسان إختلافات متفقة ، وأن في العقل صورة للطبيعة التي أراد الإنسان ان يخرج مـنها ، و صورة أخرى في ما وراء الطبيعة والتي جعلته بفكره منحصرا فيها ، إلا أن هذه الطبيعة غير منحصرة كالأولى ، إذ بالـخــيــال يسبح فيها دون أجنحة ، ويجد فيها صحراء أخرى وشمسا وقمرا وأشجاراً بفاكـهـة لا يــأكــل منها وإن أكل فبخياله ، وإن تطور فبفكره . وجد أن عقله منحصر بخياله فـي خــيـالــه وفــي الطبيعة التي يعيش فيها .
تعلم الإنسان من الطبيعة الثانية التي في عقله بفكره أنه يعيش فيــها بتفكيره وخياله ولم تعرف الإنسان على نفسه ولا على عقله ، ولا يجيب العــقــل أبــدا عــن تــســاؤل الإنسان ، إذ الــعــقــل هو السؤال في الإنسان كما أن الإنسان هو السؤال في الحياة . فـكـيـف الجواب على سؤال بسؤال؟
إنه لحق إذ تميز الإنسان بالعقل ولكن العقل كان أساس تمييزه على أنه إنسان بعقله فقط ، كما تعلم بتمييز عقله أنه في حمقه وجهله بفقد تمييز فكره ، وقد انطلق منذ بدايته باحثا عن المعرفة لتنمية أفكاره ، وكان بحثه دليلا على جهله . إن الجهل أول شيء يعرِّف بالعلـم ، واخــتــلاف العلم أول دليل على الجهل ، ثم إن العلم منحصر فيما يتوصل إليه الإنسـان مــن مــعــرفــة ،فهل الإنسان يفكر بالعقل أم العقل هو من يفكر بالإنسان وبانحصارهم ينحصر التفكير إذ أن التفكير يعيش كالإنسان في عالم العلم و المعرفة فيقف العقل حائرا في عالمه كما يقف الإنسان حائرا في طبيعته لماذا ؟
إن الحيرة والتساؤل أول راية حملها الإنسان منذ نشأته ، حملها بجهل إذ كيف يحير ويتساءل وهو معترف بقوة عقله و جاهل بحقيقة عقله ، وأنه يعرف الخطأ والصواب بمجرد ما يكتسبه من تـجــربــة . وإذا عرف الإنسان جهله فقد عرفه بعلم ، وهو يكتشف الجهل بما لديه من علـم والخطأ بــمــا لديه من صواب ، وهذا دليل أنه ليس لديه علم عن الجهل ، ولا علم عن العلم .
ثــم ألا يــمكــن أن يكون الإنسان عالما بالجهل فقط؟ لأنه لا يجد الحلول الكاملة لأسئلته ، وأنـه إنــما يــســعَى لإقناع نفسه بما يعرف ، ويحصر المعرفة فيما لديه من علم ومعرفة خوفا من تعقيـد الأشــيــاء وفقدان صفة التميز بالعقل انها منظومة للهيمنة الدوماغية العقلية باعتبار ان الإنسان في صراع مع عقله كما ان العقل يتصارع مع الأنسان و المجتمعات تتصاع فيما بينها بين الطبيعة و ما وراء الطبيعة وطبيعة قوى الطبيعة فهل الإنسان يمتلك عقلاً أم ان العقل هو من يمتلك الإنسان ولماذا ؟
يمكن أن تحل إشكاليات العقل البشري عندما يصبح الفكر الإنساني سابق لوجود الإنسان وليس أسبقية وجود الإنسان قبل الفكرة ولما لم تحدث هذه الفرضية فقد ارتكس الإنسان كآلية للتفكير في حمأة الجاهلية والبدائية المتفزيقية بصورتيها البسيطة و المركبة، ملأت الهواجس والأوهام اللاهوتية قلبه وعقله واستبد به الخوف من الظواهر الطبيعية وقوى الطبيعة برقا ورعدا وخسفا وزلازل وعواصف ، وأخذ به الرعب والرهبة من الموت والمصير والمجهول كل مأخذ ، فأقبل الإنسان على نفسه ينسج لها استجلابات للطمأنينة ، و خيالات للتصورات والأساطير والخرافات .
فتراكم بذلك لدى البشرية على مر السنين ، تراث ضخم من المعتقدات السابقة للفكر الإنساني و التي اتخذت فيما بعد مادة للتفكير والاستقراء ، والبحث عن الذات أصلا ومآلا، وعن الكون والطبيعة و ما وراء الطبيعة ماضيا ومستقبلا . ثم تحول هذا التراث العقلي إلى قاعدة للفكر الديني الوضعي المفضي إلى عبادة الأوثان والنجوم والكواكب ، واتخاذها آلهة 
ثم بعد ذلك اتُخذت هذه المعتقدات الدينية منطلقا ومادة للتفكير الفلسفي الذي نُقل إلى اليونان وتطور فيه وظل مجردا من أهم أداتين للفهم هما :
فلسفة المعرفة المادية الصحيحة لحقائق الطبيعة بسبب التخلف العلمي آنذاك و فلسفة المعرفة الغيبية اليقينية .
أن ما ذهب إليه أفلاطون في مدينته الفاضلة التي اتخذت مظهرا خياليا قوامه اعتبار السلطة عملا معجزا لا يستطيع القيام به إلا أفراد ملهمون ، لهم على بني جنسهم تميز خاص يصلهم بالعقل الفعال ويجعلهم قادرين على تحقيق السعادة لشعوبهم ثم تطور الفكر السياسي الأرسطي باستحداثه فكرة الدولة الدستورية ، التي تبنى علاقات شعبها بالحاكم على أساس الحرية والمساواة والمواطنة المشتركة بين أحرار ؛ مما جعل الدولة مجرد اتحاد أفراد في مجتمع واحد تحت حاكمية القانون الذي حل محل الملك أو الفيلسوف أو النبي . وما سار عليه الفكر السياسي الروماني الذي ميّز بين الدولة والفرد ، وجعل لكل منهما حقوقا وواجبات ، وبلور فكرة سيادة الدولة ونظرية العقد الإجتماعي ، ونظرية القانون الطبيعي التي وضعها " شيشرون " على أساس أن للكون خالقا واحدا ، وأن للدولة قانونا واحدا يجب أن يطبق على الجميع .
أن الفكر البشري عامة والسياسي خاصة منبثق من الخرافة والأساطير والأوهام اللاهوتية و المتفزيقية وعلى هذه الأساس نشأ الفكر الفلسفي وتطورت، مادة بحثه لخيالات البشر وأساطير الخرافة وأوهام مفتقدا لأهم وسائل الاستقراء والدراسة والفهم وعاجزا عن تحقيق هدفه في كشف حقيقة الكون وطرق السعادة إن هذه المعتقدات هي المنشأ الأول والمبدأ الأساس لكل فلسفات البشرية الوضعية في فترة ما قبل اليونان و على هدي هذه المعتقدات الدينية المتفلسفة والتصورات المضطربة ، سار الفكر السياسي وعلى أركانها تأسس لمفاهيم الدولة والعدل والحياة السعيدة و المساواة و الواقع ان هذه المفاهيم نفسها أصبحت مفاهيم يوتوبيا متصورة الوجود في عقلية الإنسان مختفية الامتثال في الواقع وذلك لانها أفكار جاءت بعد وجود الإنسان وهنا أصبحت إشكالية و لا يمكن أن تحل إشكاليات البشرية والعقل البشري إلا عندما يصبح الفكر الإنساني سابق لوجود الإنسان
.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أ ـ عمر يحي أحمد 
جامعة الزعيم الأزهري ، كلية العلوم السياسية و الدراسات الإستراتيجية 

السموء الانساني


.تتجسد روعة الحياة في ذلك الكائن البسيط الذي يسمى باﻹنسان وتستمد الحياة جمالها وروعتها من ذات اﻹنسان والسموء اﻹنساني يعني الترفع إلى مقامات أعلى من مرامى البصر وحدود العقل فتصبح الحياة روعة بوجود أشخاص متفائلين دومآ في الحياة وهم مختلفون تمامآ عن عامة البشر عندما يسموء اﻹنسان بنفسه فإنه يرى الكون بأثره روعة و جمال تنبع إصولها من طبيعة الحياة
إنسان يبتسم في وجوه اليأسين و يضحك أمام الكل وكأن شفتاه لم تخلق إلا لﻹبتسامة و وجهه لم يكن إلا للبشاشة وعند الفجر يرسل الصباح أشرعة الضوء فتخالط روحه و تغنى العصافير بصورتها وخرير الماء يشدو
يتسامى الفرد بإنسانيته فيرى الجمال في كل شخص و الكمال في كل شيء لا يحقد على اي شخص و لا عيب إلا عندما نعيب اﻷخرين وعندما يقف أمامه شخص يتزكر لو أنه كان في مقام ذات الشخص فكيف يحب ان يعامل أو يتزكر وقوفه أمام الله و ما أعظم الوقوف أمام الرحيم فيشعر بحاجة إلى التسامي إلى ما بعد اﻹنسانية فيرى نفسه مقصرآ في حقوق اﻷخرين راغبآ في المزيد يعيش على العطاء ويموت على البزل.
الحقد .....الكراهية ....حب الذات .... اﻷنانية ... الطمع ... البخل .... مصطلحات لا توجد في قاموس الإنسان السامى و القلب المتسامي أشخاص غير عادين يقابلونك في دروب الحياة و محطات اﻹنسانية يشعرونك بأن الحياة بخير ...
تسامى بإنسانيتك ولو لمرة واحدة او في لحظة عابرة فالناس مشتركون في اﻹنسانية مختلفون في فرعيات بسيطة
هنالك أشخاص فقراء جدآ لا يملكون شيء سوى المال الكثير وقلوبهم جبلت على حب المال الثروة غايتهم و اﻷنانية ديدنهم يعيشون وهم أموت ويموتون وهم احياء فتراه عبؤس الوجه يائس ... مريض في قلبه... في بدنه .... مريض في إنسانيته... ولا علاج إلا بتسامي اﻹنسان و اﻹنسانية الحياة خلقت من أجل اﻹنسانية ومن لم يستطع إن يسموء بإنسانيته يجب إن لا يزاحم الناس في الحياة
بين بزوغ الفجر ومغيب الشمس تحسس إنسانيتك لتذهب إلى منامنك وأنت خالي الهم لا تحمل حقدآ ... ولا ظالمآ ... هادى البال ... مطمأن النفس ... منشرح الصدر ... تنام ببدنك على اﻷرض ... و تتسامي بروحك و إنسانيك إلى السماء ... إلى ما وراء اﻹنسانية ... وعندها يصبح التسامي و التسامح جوهر الحياة وتصبح #‏الحياة_أجمل_مما_تبدو .

المدينة الفاضلة حق من حقوق الانسان


عندما يذهب الناس إلى الراحة و تنظر اﻷعين إلي السماء و تهدأ اﻷصوات وينتشر الصمت ﻣﻦ ﻣﻨﺎ ﻟﻢ ﻳﺤﻠﻢ ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ ﻓﺎﺿﻠﺔ ﺗﻜﺴﻮﻫﺎ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﺗﻌﺘﻠﻴﻬﺎ
ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴﺔ والقوانين اﻹنسانية ﻻ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺨﺎﻧﻘﺔ، ﺗﻠﻚ ﻫﻰ ﺫﺍﺕ ﺍﻷﺣﻼﻡ
ﺍﻟﺘﻰ ﺣﻠﻢ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﺃﻓﻼﻃﻮﻥ ﻟﻤﺪﻳﻨﺘﺔ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ ﺍﻟﺘﻰ تصورها إنها مدينة
ﺧﻠﺖ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻘﺎﺩ ﻭﺍﻟﺸﺮﻭﺭ والجهل الفساد، ﻋﺎﻟﻢ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺬﻯ ﻧﺤﻴﺎ ﻓﻴﻪ
ﺗﻤﻨﻴﻨﺎﻩ ﻭﺃﺑﻴﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻄﺒﻘﻪ .
عندما يصبح اﻹنسان لوحده فانه ينتج اسمى الافكار و اصدق المشاعر الراحة لدى اﻹنسان احيانآ تكون في قدرته على إعتزال المجتمع و الواقع ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ ﻫﻰ ﺃﺣﺪ ﺃﺣﻼﻡ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ و اﻹنسان ﺃﻓﻼﻃﻮﻥ إنه عالم إعتزل المجتمع فنمت فيه مشاعر الخير و مخيلة الوجود و اﻹنسانية ومن هذه المشاعر ظهرت المدينة التي يجب إن يعيش فيها كل شخص يحمل في دواخله بزور الخير واﻹنسانية ﻭﻫﻰ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺗﻤﻨﻰ ﺃﻥ ﻳﺤﻜﻤﻬﺎ ﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﻭﺣﺪﻫﻢ، ﻭﺫﻟﻚ لاﻧﻬﻢ بﺤﻜﻤﺘﻬﻢ ﺳﻮﻑ ﻳﺠﻌﻠﻮﻥ ﻛﻞ ﺷﻰﺀ ﻓﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻣﻌﻴﺎﺭﻳﺎ ﻳﺘﻢ ﺗﻄﺒﻴﻘﻪ
ﺑﺤﺮﻓﻴﺔ ﺗﺎﻣﺔ، ﻭﺑﻨﺎﺀ ﻋﻠﻴﻪ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻓﺎﺿﻠﺔ .
ﻓﻔﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻳﺠﺪ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻦ ...ﻭﺍﻟﻤﻘﻴﻢ ...ﻭﺍﻟﺰﺍﺋﺮ الصغير .... الكبير ... الرجل .... المرأة ﺃﺭﻗﻰ ﻭﺃﻛﻤﻞ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺨﺪﻣﺎﺕ ﻭﺑﺄﺳﻠﻮﺏ ﺣﻀﺎﺭﻯ و إنساني ﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻌﻘﻴﺪ ﻭﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻦ ﺍﻟﺮﻭﺗﻴﻦ ﻭﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗﺴﻮﻳﻒ ﻭﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ بعيدآ عن كل شركانت فلسفة ﻤﻘﺘﺮﺡ ﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻋﻦ ﻛﻞ المدن ﻟﻴﺲ
ﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﻓﻰ ﺍﻟﻤﻈﻬﺮ ﺍﻟﻌﻤﺮﺍﻧﻰ ﻓﻘﻂ ﺑﻞ ﻓﻰ ﻛﻞ ﺷﻰﺀ، ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻯ ﻭﺍﻟﺴﻜﺎﻧﻰ ﻭﺍﻷﺩﺍﺀ ﺍﻟﺨﺪﻣﻰ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻰ ﻭﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻣﻘﺘﺮﺡ ﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺃﺳﺎﺳﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻧﻔﺴﻪ ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﻣﺴﺌﻮﻻ ﺃﻭ ﻣﻮﻇﻔﺎ ﺃﻭ ﻋﺎﻣﻼ ﻛﺒﻴﺮﺍ ﺃﻭ ﺻﻐﻴﺮﺍ ﺭﺟﻼ ﺃﻭ ﺍﻣﺮﺃﺓ
المدينة الفاضلة ليس حلمآ مستحلا او فلسفة يوتوبيا او قصص لاهوتية بل هي حق من حقوق اﻹنسان و اﻹنسانية قد تتحقق في يومآ ما ولو في أبسط معاني الفضيلة ومهما طال الزمن ولكنكم تستعجلون