الخميس، 7 مايو 2015

الصراع الاريتري الجيبوتي


تحتل منطقة القرن الأفريقي، موقعاً إستراتيجياً مهماً في منطقة جنوب البحر الأحمر، وفي الجزء الشّمالي الشّرقي، من القرن الأفريقي. وتتمتع بخصائص إستراتيجية، وأهمية جغرافية سياسية (جيوبولوتيكية)، مما جعلها محطاًّ للأنظار، ومجالاً للصراع العالمي، في محاولة للسيطرة على المنطقة.
وللقرن أهمية إستراتيجية، حيث تعد المنطقة، هي الاتجاه الإستراتيجي، الجنوبي الشرقي، إضافة إلى تأثيرها على أمن البحر الأحمر، والذي يطلق عليه "الاتجاه الإستراتيجي في البحر الأحمر، للأمن القومي العربي".
تشتمل منطقة القرن الأفريقي على ست دول، من بينها ثلاث دول عربية "الصومال والسودان وجيبوتي"، ودولة لم تعلن عن هويتها العربية "إريتريا" على الرغم من أنها دولة عربية إسلامية. ولذا نجد، أن نصف دول القرن دول عربية، ولا شك أن تحقيق أمن هذه الدول، يساعد على تحقيق الأمن القومي العربي وأمن البحر الأحمر.
وتعد هذه المنطقة، إحدى المناطق المشتعلة بالاضطرابات، والصراع بين دولها، إضافة إلى تدخل قوى إقليمية وعالمية، تعمل على استمرار الاضطرابات في المنطقة، ولذلك فإنها تجد الوسيلة للبقاء، داخل دول القارة، من خلال إمدادها بالأسلحة المختلفة، تحقيقاً لمصالحها الخاصة، أو لمصالح بعض القوى الكبرى.
* أهمية «رأس دميرة» بالنظر إلى أهمية موقع الدولتين
الأمر الواضح في هذا الأمر بأن اريتريا في الوقت الحالي لا تنظر إلى هذا التل الصغير(رأس دميرة) من زاوية أهميته في رسم حدودها البرية مع جيبوتي، ولكنها تنظر إليه باعتباره المحدد لمصير جزيرة «دميرة» التي تقع حالياً ضمن سيادة إريتريا على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وكلاهما أي(الرأس والجزيرة) يحددان علاقة اريتريا بمنطقة باب المندب، وهي العلاقة التي تحدد مصير الموقع الاستراتيجي لدولة اريتريا والذي على أساسه يتحدد المستقبل السياسي للنظام الاريتري الذي ظل يعمل منذ استقلال بلاده عن إثيوبيا على تقديم نفسه للعالم من نافذة الأهمية الإستراتيجية لهذا الموقع، فضلاً عن تسويقه للقوى العالمية ووضعه تحت خدمة الدوائر الدولية بمقابل اعتماده كشرطي على منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر كوريث لعدوته إثيوبيا التي استقل عنها، ولهذا خشيت اريتريا أن تصبح منطقة «رأس دميرة» خارج ترتيباتها الأمنية أو أنها تؤول ضمن ترتيبات دولية مستقبلية إلى عدوتها إثيوبيا.
 أما بالنسبة لجيبوتي فالمعلوم عنها بأنها تتمتع بأهم موقع استراتيجي من بين دول المنطقة، كونها تطل على الثلاث المناطق البحرية الاستراتيجية (باب المندب, وخليج عدن, والبحر الأحمر) إضافة إلى أنها تقابل اليمن في وسط الضفة الأفريقية المقابلة للضفة الآسيوية والتي تمثل ركائز الدائرة المحورية التي تغطي جانبي البحر الأحمر، ولهذه الخصوصية الاستراتجية عملت أمريكا مؤخراً على جعلها قاعدة أمريكية إقليمية رئيسية في القرن الإفريقي واعتمدتها كمركز لدائرة عملياتية تغطي جانبي البحر الأحمر الأفريقي منه والآسيوي، وهو ما جعل جيبوتي تنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لـ«رأس دميرة» بحساسية مفرطة نظراً لما يمثله هذا الرأس من أهمية في تعزيز مركزها عند نقطة التحكم بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر والتي تعد إحدى الركائز المحورية للدائرة العملياتية التي تغطي جانبي البحر الأحمر انطلاقاً من المركز جيبوتي.
اتفاقية الحدود في عام 1900 المعمول بها حاليا تنص على أن الحدود الدولية لراس الدميرة على البحر الأحمر تمتد لمسافة 1.5 كم على طول الخط الفاصل لشبه الجزيرة. بالاضافة لذلك، فإن بروتوكول 1900 ينص على أن جزرة الدميرة الواقعة مباشرة أمامها والجـُزَيرات المجاورة لها لن يتكون لها سيادة وستبقى منزوعة السلاح.
ظلت العلاقة مابين إرتريا وجيبوتي تترواح مابين التحسن والتوترفي العشر السنوات الأولي من الإستقلال ،وكاد البلدان أن يلجأ الي الحل العسكري في عام 1996م لولا تدخل دول منظمة إيغاد ،وكانت منطقة رأس الدميرة وجزيرة دميرة اللتان تقعان علي الحدود الإرترية الجيبوتية والتي يصل طولها 110كلم  دائما وراء التوتربين البلدين، وتوترت العلاقات أكثر بين الجانبين عندما وقعت جيبوتي برتكول تعاون عسكري مع إثيوبيا في عام1999م ،و إتهام إرتريا لجيبوتي في تلك الفترة بالسماح لإثيوبيا لإستيراد مختلف المعدات العسكرية عبر مينائها لإستهدفها في الحرب ضدها.
  وقد شهدت العلاقات تحسنا بين البلدين منذ مارس عام 2000م بعد وساطة قام بها الزعيم الليبي معمر القذافي ،حيث قام الرئيس أسياس بعدها بزيارة لجيبوتي في عام 2001م ،كما قام بالمقابل الرئيس الجيبوتي بزيارة مماثلة لإرتريا،وأعتبر ذلك حينها إختراقا إرتريا للتحالف الجيبوتي الإثيوبي،وبعد ذلك شكل الجانبان لجان مشتركة  وتم إقرار إجتماعات دورية مستمرة ،و تم توقيع إتفاقية تعاونية في القطاعات السياسية والإقتصادية بينهما، إلا أن العلاقات تأزمت بشكل تدريجي مع تأزم الوضع في الصومال ،بسبب تباين موقف الجانبين من الأطراف المتقاتلة في الصومال،وتطابق الموقف الجيبوتي مع نظيره الإثيوبي من الصراع الصومالي ،كما اتهمت جيبوتي إرتريا بمحاولة زعزعة الإستقرارفي جيبوتي  بتدريب عناصرمعارضة للحكومة الجيبوتية،وهي إتهامات ينفيها الجانب الإرتري، وأقدمت جيبوتي بالإعلان عن توقف عمل اللجان المشتركة والتواصل مع الجانب الإرتري.
وتعود الأزمة الحالية الي إبريل 2008م عندما قامت إرتريا بنشرقوات ومعدات عسكرية في راس دميرة بشمال جيبوتي وجزيرة دميرة ،وتطور الأمر الي حدوث مواجهات عسكرية بين الطرفين خلال الفترة مابين 10-12يونيو2008م ،أدت الي سقوط قتلي وجرحي وأسري من الطرفين،وقالت إرتريا حينها إن جيبوتي سمحت في فبراير2008م بإنتشارقوات اثيوبية من  وحدات المدفعية بعيد المدي علي نقطة "جبل موسي علي" الإستراتيجية المرتفعة التي تلتقي عندها الحدود المشتركة بين ارتريا وجيبوتي وإثيوبيا،واعتبرت ذلك بمثابة مؤامرة جيبوتية مع إثيوبيا لإستهداف سيادتها.
وبعد وقوع هذه الإشتباكات وتم تناولها في مختلف وسائل الاعلام ،بادرت جيبوتي بإعلان وجود إحتلال إرتري لأراضي جيبوتية ،وبدأت تحركا سياسيا ودبلوماسيا ، ألا أن الجانب الإرتري أنكروجود أزمة ،وفي بيان لها صادر في 11يونيو2008م  أعتبرت الخارجية الإرترية الموقف الجيبوتي عبارة عن حملة عدائية ضد إرتريا ومحولة لجرها في مشكلة لاتعنيها .
وإنطلاقا من أنه لاتوجد أزمة مع جيبوتي رفضت الحكومة الإرترية كافة الوسطات الدولية التي كانت تهدف الي إيجاد حل للأزمة بين البلديبن ،ومن بينها الوساطة الليبية،والقطرية ،كما رفضت إرتريا التجاوب مع بعثة الإتحاد الافريقي لتقصي الحقائق ،ووساطة لجنة السلم والأمن الأفريقي ،ووساطة مجلس السلم والأمن التابع للجامعة العربية ،رفض كل ذلك بحجة لايوجد خلاف حدودي مع جيبوتي.

التطورات التي صاحبت القرار(1907)2009م:
أقر مجلس الأمن بتأريخ 23ديسمبر2009م مشروع القرار1907الذي قدمته يوغندا وأقربغالبية 13صوت وإمتناع الصين عن التصويت وتصويت ليبيا ضده،وجاء إتخاذ القرار لعدم إمتثال الجانب الإرتري لما جاء في القرار(1862)2009م أمهل فيه ارتريا خمسة أسابيع لسحب قواتها وجميع عتادها الى المواقع السابقة وإلى الإعتراف بوجود نزاع مع جيبوتي وأن تبدي إستعدادها فعليا للحوار من أجل تهدئة التوتر .
ووصل مشروع القرار الأفريقي الي مجلس الأمن بطلب من الهيئة الحكومية الدولية (ايغاد) والإتحاد الإفريقي ،و كان يتعلق بشأن النزاع الحدودي بين جيبوتي وإرتريا ،والدور الإرتري في زعزعة  الصومال، ويفرض القرار حظر علي إرتريا علي توريد السلاح،وحظر علي السفر،وتجميد أرصدة مالية لأفراد ضمن القيادة السياسية والعسكرية لإرتريا، كما طالبت العديد من المنظمات الخارجية الأمريكية للضغط علي دول مثل الصين وكندا واستراليا والتي تعمل شركاتها في مجال التعدين  بإرتريا للتجميد أنشطتها مالم تتوقف الحكومة الإرترية من أنشطتها العدائية في المنطقة.
الخطوات التي قام بها مجلس الأمن بعد إتخاذ القرار:
 كلف مجلس الأمن الأمين العام للامم المتحدة لإعداد تقريركامل عن مدي التزام الجانب الإرتري بإحكام القرار1907 في غضون 180يوما ،كما قام الأمين العام بتقديم مذكرة الي البعثة الدائمة لإرتريا لدي الأمم المتحدة في 22إبريل 2010م طالبا منها تقديم معلومات عن الموقف الإرتري بشأن الإلتزام بماء جاء في القراربحلول 7يونيو2010م.
بداية رضوخ الحكــومة الإرترية للمطالب الدولية:
عندما صدر قرار العقوبات الدولي حاولت الحكومة الإرترية التصدي له من خلال القيام بحملات جماهيرية وإعلامية موسعة والتحرك الدبلوماسي المحدود أصلا  ،ولهذا دعت مؤيدها للخروج  الي مظاهرات ومسيرات في مختلف مناطق العالم وتقديم مذكرات احتجاج الي مكاتب الامم المتحدة ،واعتبار مشروع القرار الدولي إستهداف ومؤامرة علي سيادتها ، ولكن وبعد فترة بات واضحا أن تلك المسيرات لن تجدي نفعا للقائمين ورائها ، وأن قرار تنفيذ العقوبات حتمي مالم يتم الإلتزام بما جاء في القرار الدولي،ومنذ ذلك قامت الحكومة الارترية بالعديد من التحركات التكتيكية في محاولة للإفلات من تلك العقوبات التي أكدت كافة المؤشرات أنها ستكون مؤثرة جدا علي مصالح الحزب الحاكم ،وستحدد من نطاق تحركاته وتواصله مع العالم الخارجي ولاسيما أن القرار استهدف شخصيات أساسية في الدولة ، تنفيذه كان من الممكن أن يتسبب  في شلل عمل الدولة، ولهذا سارعت إرتريا بإتهام  لجنة العقوبات بالإعتماد علي الخارجية الإثيوبية في اعداد اليات تنفيذ القرار.
  وفي ظل تلك الأوضاع  لم يكن أمام الطرف الإرتري خيار الا الخضوع لبعض ماجاء في مسودة القرار الدولي، وعندما أحس بخطورة الموقف بادر الرئيس إسياس ببعث رسالة بتأريخ 19يناير2010م  الي الدول الأعضاء أوضح فيها موقف حكومته بشأن القرار،وطالب أفورقي أن تتاح الفرصة لحكومته كي تدافع عن نفسها ضد الإدعاءات الموجه اليها ،كما أبدي استعداده للتحاور بشأن القضايا التي أثيرت في القرار،من جانبه رد الأمين العام للامم المتحدة بالموافقة بأن تتاح الفرصة لإرتريا للمشاركة في كافة النقاشات بمجلس الأمن الدولي حول القرارالدولي(1907) ومنذ ذلك فتح باب الحوار بين إرتريا والأمم المتحدة حول قرار العقوبات الدولي
الوساطة القطرية:
في السابع من يونيو 2010 أعلن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، أن رئيسي إريتريا وجيبوتي ، قد وقعا اتفاقية عهدا بموجبها إلى قطر ببذل جهود الوساطة لإيجاد حل للخلاف الحدودي القائم بين بلديهما، وفوضا أمير قطر بالوساطة، حيث وقع الاتفاقية أيضاً بصفة دولة قطر وسيطاً وشاهداً بالصلاحيات الكاملة لإصدار وثيقة عمل تنفيذية للاتفاقية.
7 مواد تضمنتها الوثيقة التنفيذية للاتفاقية
- المادة الأولى: تشكل لجنة برئاسة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر، وعضوية ممثل عن كل من الطرفين للنظر في حل الخلاف الحدودي وفق التخويل الممنوح لدولة الوساطة من قبل الطرفين. وتتولى اللجنة اختيار وتعيين إحدى الشركات العالمية بموافقة الطرفين، لكي تقوم بترسيم الحدود بين البلدين وفقاً للأصول والقواعد المتعارف عليها دولياً لترسيم الحدود، وبما يتفق مع أحكام الاتفاقيات والقواعد الدولية الملزمة لهما بشأن تحديد الحدود بين بلديهما، ولرئيس اللجنة أن يشكل لجاناً ويستعين بمن يراه مناسباً من سياسيين وفنيين ومهنيين وقانونيين لإنجاز مهمة اللجنة.
- المادة الثانية: تهدف هذه اللجنة إلى إنهاء الخلاف الحدودي بين الطرفين والعمل على ترسيم الحدود بين بلديهما، بما يخدم علاقات حسن الجوار.
- المادة الثالثة: يقوم كل من الطرفين بتزويد دولة قطر بكشف يوضح عدد وأسماء الأسرى الموجودين لديه إن وجدوا، وكذلك بكشف يوضح عدد وأسماء المفقودين. ويتم تبادل الأسرى بين البلدين، كما يقوم كل من الطرفين بتقصي مصير المفقودين، وكل ذلك بإشراف دولة قطر.
- المادة الرابعة: يقوم كل من الطرفين بتزويد دولة قطر بكافة المعلومات والوثائق والمستندات التي تيسر عمل اللجنة بغية تقديمها للشركة العالمية المكلفة بترسيم الحدود.
- المادة الخامسة: تقدم الشركة العالمية المتفق عليها لترسيم الحدود نتائج عملها إلى اللجنة المشار إليها في المادة (1) من هذه الوثيقة، ويعتبر قرار اللجنة نهائياً وملزماً للطرفين.
- المادة السادسة: تتولى دولة قطر بوصفها الوسيط في حل النزاع بين الطرفين القيام بالإشراف على مراقبة الحدود، من خلال بقاء قواتها في المناطق الحدودية، لحين صدور القرار النهائي بشأن تسوية الخلاف من اللجنة المشار إليها في المادة (1) من هذه الوثيقة.
- المادة السابعة: تقوم دولة قطر بإيداع الاتفاقية والوثيقة التنفيذية للاتفاقية حول تسوية الخلاف الحدودي لدى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي.
وبموجب تلك الإتقافية قامت الحكومة الارترية بالإنسحاب من المناطق المتنازع عليها مع جيبوتي ،وتقوم حاليا قوات من حرس الحدود القطري  أطلق عليها إسم "واجب " بمراقبة تلك المناطق وستبقي هناك الي حين الوصول الي إتفاق نهائي وملزم للطرفين ،وستقوم دولة قطر بالتشاور مع طرفي النزاع بتشكيل لجنة برئاستها وعضوية ممثلي كل من إرتريا وجيبوتي وأطراف أخري  ،واختيارإحدي الشركات العالمية لكي تقوم بمهمة ترسيم الحدود بما يتفق وأحكام الإتفاقيات والقواعد الدولية الملزمة للطرفين بشأن الحدود ،وبموجب تلك الاتفاقية ستقوم الأطراف المتنازعة بتزويد دولة قطر بكافة الوثائق والمستندات التي تسهل عمل تلك اللجنة  ،وسيكون قرار اللجنة نهائي وملزم للطرفين.
* ونشير هنا إن هذه الاتفاقية طرحت الي الطرفين منذ فترة بداية اندلاع الأزمة الحدودية بين الطرفين ، ألا أن عدم إستعداد الطرف الإرتري لقبول الوساطة ظل يحول دون التوقيع عليها، والآن ومع استمرارية تردي الوضع الداخلي في إرتريا وجدية المجتمع الدولي لمحاسبة إرتريا بناء علي مواقفها السلبية تجاه العديد من القضايا في المنطقة ،لم يترك خيار أمام الطرف الإرتري للإفلات من العقوبات الدولية سوى الموافقة علي المبادرة القطرية .
مستقبل القرار(1907) بعد توقيع الوساطة القطرية:
  بعد إنتهاء التوقيع علي الوساطة القطرية بعث الرئيس أفورقي برسالة الي الأمين العام للامم المتحدة في 24يونيو،أكد فيها استعداد بلاده للتشاور مع المجتمع الدولي حول التحديات التي تواجه المنطقة ،وأشار في رسالته أن النزاع الحدودي وعدم تطبيق قرار ترسيم الحدود بين إرتريا واثيوبيا ينعكس سلبا علي استقرار المنطقة ، من جانبها رحبت الامم المتحدة بالخطوات التي اتخذتها إرتريا مؤخرا،وجاء في تقرير للامين العام قدم في لاجتماع عقد في22يوليو2010م بأن إرتريا تستحق الثناء لمشاركتها البنائة مؤخرا مع جيرانها والمجتمع الدولي،ومستفيدا من هذه الأجواء ناشد ممثل إرتريا المجتمع الدولي بسحب القرار(1907)ووصفه بأنه قرار غير عادل وإنتقائي ،كما تحاول الحكومة الإرترية لإلقاء  الكرة الى ملعب المجتمع الدولي بتحميله مسؤولية عدم تنفيذ قرار ترسيم الحدود بين إرتريا واثيوبيا،والفشل في الضغط على اثيوبيا للانسحاب من الاراضي التي تعود سيادتها لإرتريا .
  أما المجتمع الدولي فطالب إرتريا لتقديم مزيد من الأدلة والإمتثال بالقرار والتدابير العملية الواردة فيه ،وخلص في إجتماعه الاخير أن قدرة الأمم المتحدة علي التحقيق من إمتثال إرتريا للقرار الدولي محدودة جدا ،ولهذا قام المجلس في إجتماعه الأخير بتشكيل لجنة جديدة لمراقبة الوضع في الصومال وإرتريا ،وسترفع اللجنة تقريرها بعد 120يوما وحينها سيتضح إمتثال إرتريا من عدمه بما جاء في القرار الدولي.
أهداف اريتريا من التدخل العسكري :
تحركت إرتريا باتجاه جيبوتي عسكريًا، لتحقيق جملة من الأهداف، أولها إشاعة التوتر في الإقليم على نطاق واسع، وثانيها، للتأثير على الدور الإرتري في الصومال، وعلى دورها كممر استراتيجي لإثيوبيا، ووضعها في مواجهة خيارات صعبة، خاصة وأن سكان هذا البلد، لا يتعدون نحو 700 ألف مواطن. الدور الحائر
تبدو القضية الأولى، هي أن ما وفر لإرتريا المحدودة القدرات والإمكانيات، أن تمارس كل هذا الدور الإقليمي، هو أن القوى الإقليمية الكبرى في الإقليم تعاني من حالة ضعف، خاصة إثيوبيا والسودان والصومال،بما فتح "المجال الحيوي" أمام حركة إرتريا وهى الدولة الأضعف .
غير أن ذات أوضاع الضعف في القدرات خاصة الاقتصادية، بحكم شح الموارد وقلة الأرض الزراعية – مع التمرس في الأعمال الحربية خلال حرب الانفصال – إضافة إلى "طبيعة حكم الأقلية" المتحكمة في أهل إرتريا، يمثل الدوافع الداخلية لهذه التحركات والحروب والصراعات.
وكذا يمكن القول، بأن عدم انتماء إرتريا إلى منظمة أو تجمع من بين الدول الإقليمية، بما يجعلها دولة تواجه دولاً ذات انتماءات وامتدادات، هو أحد دوافعها للقلق الاستراتيجي، خاصة وأنها الدولة الأضعف ضمن محيطها الذي يضم السودان وإثيوبيا، إضافة إلى أن الصومال يملك إمكانيات وقدرات تفوق إرتريا، حال وقوفه على أقدامه.
هي دولة لا تعيش إلا وفق وضع إقليمي متبعثر؛ ولذا رأيناها تغير من مواقفها وتحالفاتها، بعد انعقاد تجمع صنعاء (اليمن – الصومال – إثيوبيا) وقد نجحت بالفعل في تغييب ضرورة بقائه ونشاطه بتحركاتها، كما هي دولة تبحث عن وجود في الإقليم ولذا هي تنتقل من صراع إلى آخر ، وفي الأغلب يشعر نظامها أنه لا استقرار له إلا بإشغال المجتمع بحالات صراع خارجية.
الموقف الأثيوبي:
كانت جيبوتي قدمت بديلاً استراتيجيًا لعزلة إثيوبيا – ما بعد "استقلال إرتريا" – عن البحر الأحمر؛ إذ صارت إثيوبيا تستورد وتصدر عبر جيبوتي. كما دخلت جيبوتي في تحالف فعلي مع إثيوبيا بحكم مصالحها كبوابة وممر، ومن خلال وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أرضها – التي تستخدم فعليًا في الهجمات على المقاومة الصومالية – إلى جانب القواعد العسكرية الفرنسية.
لكن الأخطر جرى حين بدأت جيبوتي تلعب دورًا في حل أزمة ومآزق قوات الاحتلال الإثيوبية في الصومال، من خلال المفاوضات التي جرت على أرضها – تحت إشراف الأمم المتحدة – بين قيادات من تحالف إعادة تحرير الصومال والحكومة المتعاونة مع الاحتلال الإثيوبي.
وإذا كان سبق تلك المفاوضات أن هاجم شيخ شريف (أحد قيادات المحاكم) الدور الإرتري، فإن ما نتج عن المفاوضات من اتفاق على وقف الأعمال العدائية لمدة ثلاثين يومًا، وتطوير الاتفاق خلال الثلاثة أشهر التالية باتجاه حضور "قوات دولية" وبدء انسحاب القوات الإثيوبية، قد أشعر إرتريا بالخطر؛ إذ نظرت لإفلات عدوها الاستراتيجي من الصومال-حتى مع هزيمته الظاهرة العسكرية- خوفا من أن تتحول إثيوبيا نحو التركيز على إرتريا وحدها في الصراع داخل الإقليم ،بسبب استمرار التوتر والصراع والمشكلة الحدودية بين البلدين.
الموقف الفرنسي :
تحتفظ فرنسا بوجود عسكري دائم في مستعمرتها السابقة جيبوتي التي حصلت على استقلالها عنها عام 1977، حيث تضم القاعدة العسكرية الفرنسية هناك حوالي 3000 جندي ، و10 طائرات مقاتلة من نوع ميراج 2000 ، إضافة ل 13 مروحية. وقد بادرت باريس إلى التنديد بالهجوم الأريتري على حليفتها ، مؤكدة وقوفها الحازم إلى جانب جيبوتي ، ونيتها تعزيز وجودها العسكري هناك . وهو موقف يعكس المخاوف الفرنسية من تطور المواجهة بين البلدين الجارين ، وخروجها عن نطاق السيطرة، مما قد يهدد النفوذ الفرنسي والمصالح الغربية في جيبوتي ومنطقة القرن الإفريقي بوجه عام
قالت وزارة الخارجية الفرنسية انها تشعر بقلق بالغ إزاء القتال.وأعلنت وزارة الدفاع الفرنسية عن زيادة وجودها العسكري في جيبوتي وزيادة دعمهم للجيش جيبوتي في أعقاب الاشتباكات الحدودية . وقال الاعلان ايضا ان فرنسا " تستعد لنشر قاعدة لوجستية متقدمة وقوة الأرض بالقرب من المنطقة حيث دارت الاشتباكات " ، مضيفا أن " العسكرية كثفت المراقبة الجوية على الحدود لرصد أنشطة القوات الإريترية. " وتشير التقارير أيضا إلى أن القوات البحرية إضافية يتم نقلها إلى المنطقة ، فضلا عن فريق من الجراحين العسكريين إضافية .
عقد وزير الدفاع الفرنسي هيرفيه موران أيضا مناقشات مع وزير الدفاع الجيبوتي Ougoureh Kifleh أحمد ، واعدا لتعزيز الوجود العسكري الفرنسي في البلاد في حالة وجود " تصعيدا في الصف الحدود الحالية. " أيضا للتأكيد مجددا على " قلق كبير جدا من فرنسا" على الحوادث الحدودية الأخيرة، موران ، وفقا ل مصادر دبلوماسية ، قد " طمأن نظيره من الدعم الكامل " لحكومته ، في نفس الوقت يدعو الى تسوية " الدبلوماسية" من هذه القضية. الدولتين لديها اتفاق للدفاع المشترك
موقف الولايات المتحدة الأمريكية:
أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانا صحفيا يدين "العدوان العسكري" لإريتريا قائلا انه يمثل "تهديدا إضافيا للسلم والأمن في منطقة القرن المضطربة بالفعل في أفريقيا" وتدعو إلى إريتريا لقبول وساطة طرف ثالث بشأن النزاع الحدودي.
رغم وجود هذه المميزات الاستراتيجية بالنسبة لموقع جيبوتي، ورغم رغبة جيبوتي الأكيدة في أن تظل مركزاً دولياً لدائرة عملياتية تغطي جانبي البحر الأحمر، إلا أن الولايات المتحدة كما يبدو لا تزال تشك بقدرات جيبوتي لأن تصبح مركزاً دائرياً لاستيعاب تحالف دولي كبير يقع على مسؤوليته مواجهة الأخطار في المنطقة ومراقبة جانبي البحر الأحمر، فضلاً عن الشكوك الأمريكية بهوية جيبوتي كدولة عربية، إضافة إلى وقوعها في دائرة النفوذ الفرنسي، وغير ذلك من الأسباب التي تجعلها محل شك عند الأمريكان.
_ أما بالنسبة لاريتريا، وعلى الرغم من حرص النظام الاريتري على تسويق موقع بلاده للعالم وإبداء المزيد من الاستعدادات لتسخيره في خدمة القوى الدولية، إلا أن أمريكا -وكما هو واضح- لا تطمئن إلى النظام السياسي في إريتريا بحكم تهوره ومشاكسته لجيرانه في المنطقة وتحديداً إثيوبيا الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية.
الاتحاد الافريقي :
حث مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي من إريتريا وجيبوتي إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وحل الخلاف من خلال الحوار بما في ذلك التعاون الكامل مع بعثة الاتحاد الافريقي أرسلت إلى المنطقة. ومع ذلك، إريتريا، على عكس جيبوتي، لم تقبل بعد هذه المهمة.


الموقف العربي :
هناك استياء عام تجاه السياسة الارترية من قبل بعض الدول العربية الكبرى التي كانت تتعاطف معها  في حربها ضد اثيوبيا ، غير ان ممارسات ارتريا جعلت هذه الدول تقف موقف حرج ، وهي تشاهد ارتريا  تلعب في الصراعات المذهبية بين السنة والشيعة ، إضافة الى الإتهامات التي تواجهها بالمشاركة والتسهيل في عمليات  تهريب الأسلحة الى "الحوثيين" في اليمن بحسب الإعلام اليمني المستقل والمعارض ، وبعض الإعلام السعودي ، رغم نفي  ارتريا على ذلك على الدوام مع انها صاحبة السجلات السيئة والسوابق كافتعال الازمات مع الجيران ، ولم يتبقى لها سوى السعودية التي صدرَت اليها  الان المشاكل عبر "الحوثيين" ، وفي تقديري الشخصي فان دخول ارتريا على خط صراع المذاهب يفقدها الكثير ، وقد أصبحت الآن بلد بلا صديق ، وانه من الأخطاء الإستراتيجية الكبرى اقامة تحالف مع ايران في اطار سياسة التناقض في الوقت الذي تستخدمها فيه اسرائيل كقاعدة تجسس على الدول العربية كالسعودية ومصر واليمن.
تمكنت جيبوتي عبر وفودها التي جابت عدد من الدول العربية من حشد الرأي العام العربي الرسمي والشعبي لمناصرتها مستفيدة من سجلها الخالي من العدائيات مع دول الجوار،واصبحت الصحافة العربية تغدق على إرتريا بالنعوت والأوصاف السالبة من شاكلة ( الدولة المحاربة والمشاكسة) وغيرها بعد أن كانت ناصرتها ردحاً من الزمن في أزمتها الحدودية مع إثيوبيا ودورها في المشكل الصومالي .
نتائج الصراع :
بقراءة كلية لتطورات الأوضاع في المنطقة نستطيع القول بأن إرتريا أرادت توجيه رسائل متعددة من خلال الهجوم، الرسالة الأولى موجهة إلى جيبوتي بسبب استضافتها للمحادثات بين الفرقاء الصوماليين التي توجت باتفاق بما سيفقد إرتريا إحدى الأوراق المهمة التي تستخدمها في صراعها مع إثيوبيا كما أن تصريحات رئيس تحالف المعارضة الصومالية شيخ شريف شيخ أحمد المنتقدة للتدخل الإرتري في شئون المعارضة الصومالية والتي دعا فيها لأن تكون جيبوتي مقراً لانعقاد مؤتمر التحالف القادم بدلاً عن إرتريا قد أُطلقت من منصة جيبوتي فالرسالة الموجهة إلى جيبوتي مفادها إن عليها الإبتعاد من الملف الصومالي .
والرسالة الثانية موجهة أيضاً إلى جيبوتي تأتي في نفس السياق وتهدف للضغط على جيبوتي لإبعادها عن المحور الإثيوبي الأمريكي .
أما الرسالة الثالثة فموجهة إلى إثيوبيا وذلك بالتهديد بقطع طريق صادراتها ووارداتها عبر الموانئ الجيبوتية ويبدو أن اثيوبيا قد التقطت الرسالة بشكل جيد حيث ذكر رئيس الوزراء الإثيوبي بتاريخ 15 مايو الماضي إن التدخل الإرتري في الأراضي الجيبوتي يهدد الأمن والسلام في منطقة القرن الإفريقي وحذر من المساس بحركة صادراتها عبر الموانئ الجيبوتية مبيناً أنهم سيتدخلون عسكريا إذا لزم الأمر للحفاظ على مصالحهم .


استطاعت جيبوتي تحقيق انتصار دبلوماسي مقدر في معركتها مع إرتريا حيث تمددت جيبوتي في الفراغ الذي خلفته أسمرا في المنظمات الإقليمية و استفادت و حضورها الدائب في الإتحاد الإفريقي والإيقاد ( ارتريا لا تحضر إجتماعات الأول بسبب انعقادها في أديس أبابا وجمدت عضويتها في الأخير بسبب موقفه من الأزمة الصومالية) والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي التي تحظى جيبوتي بعضويتها بعكس إرتريا هذا بالإضافة إلى وجود حلفاءها كأعضاء دائمين بمجلس الأمن ( فرنسا وأمريكا ) مما أسهم في تجيير الرأي العام العالمي والعربي والإفريقي لصالحها ،ولم يتوقف الدور الفرنسي والأمريكي عند هذا الحد وإنما تجاوزه -خاصة الدور الفرنسي - إلى المساندة الفعلية عبر الدعم اللوجيستي والمعلوماتي والمؤن العسكرية ونشر القوات ، وفي العموم فإن جيبوتي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية وفرنسية مما يجعل البلدان على أهبة الأستعداد للدفاع عنها .

السبت، 18 أبريل 2015

تقييم تجربة التخطيط الاستراتيجي في السودان


* عمر يحي أحمد 
* جامعة الزعيم الأزهري كلية العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية

    تعتبر الإستراتيجية من مجالات الدراسة التي نالت إهتماماً واسعاً على جميع الأصعدة وهي جاءت كإستجابة للضغوط والمؤثرات البيئية الهائلة التي واجهها الإنسان وتستمد كلمة الإستراتيجية جذورها من الكلمة اليونانية والتي إرتبط مفهومها بالخطط المستخدمة في إدارة المعارك وفنون المواجهة العسكرية ، إلا أنها إمتدت بعد ذلك إلى مجال الفكر الإداري وجميع المجالات ، وأصبحت الإستراتيجية الآن هي :
_ علم وفن صناعة وتشكيل المستقبل .
_ أو الطريقة التي يتم من خلالها إختيار وتنفيذ الأهداف والغايات الكبرى .
تقييم التجربة
تختلف التقسيمات التي يتم من خلالها تقييم التجربة السودانية في التخطيط الإستراتيجي عليه يمكن إن نقسم تجربة السودان إلى مرحلتين مرحلة ما قبل الإنقاذ ومرحلة الإنقاذ ويتضح إن هنالك مرحلة ثالثة وهي مرحلة ما قبل الإستقلال وهي المرحلة الإستعمارية   وهي تبدأ من بداية غزو السودان حتي عام 1956م وقد تم إستبعاد هذه المرحلة لأن التخطيط في هذه المرحلة كانت تقوم به الحكومة الإستعمارية لذلك سيتم تقييم تجربة السودان في إطار مرحلة السودنة وهي مرت بمرحليتين أساسيتين:
المرحلة الأولى : مرحلة ما قبل الإنقاذ
تبدأ مرحلة التخطيط الإستراتيجي في هذه المرحلة من العام 1956 إلى 1989 م وقد شهدت هذه المرحلة عدد من الخطط الإستراتيجية وكانت خطط تستهدف معالجة المشكلات الواقعية للدولة  ، كانت هنالك مجموعة من التحديات التي واجهت التخطيط الإستراتيجي في السودان في فترة ما قبل الإنقاذ تتخلص هذه التحديات في الأتي :
1.   تحديات التوجه :
كانت المرحلة التي تلت ما بعد الإستقلال عام 1956م هي مرحلة توهان ولم تكن هنالك رؤية وطنية أو قومية مجمع عليها مما أضعف عملية وضع خطط إستراتيجية وكما هو معلوم فإن تحديد بوصلة التوجه هو من أهم شروط وضع وإختيار الخطط الإستراتيجية .
2.   تحديات الأمن والإستقرار
شهدت الفترة الممتدة منذ تمرد الفرقة الإستوائية في توريت 1955م إلى عام 1989م  حالة من عدم الإستقرار مما أثر على الأمن القومي للدولة السودانية و أضعف إمكانية إيجاد تخطيط إستراتيجي بعيد المدى فأصبحت الخطط الإستراتيجية في السودان عبارة عن خطط ديوانية تقتصر على مؤسسات الدولة فقط وهي قصيرة المدى ويتضح من هذا إن من أهم العوامل المساعدة لوضع الخطط الإستراتيجية هو عامل الأمن و الإستقرار في الدولة .
3.   تحديات العلماء والخبراء
عانى السودان من قلة العلماء والخبراء ( المتخصصين في الإستراتيجية ) وكان معظم الذين يضعون الخطط للدولة في ذلك الفترة هم أما عسكريين أو رجال علوم إدراية أو إقتصاد .
خصائص التخطيط الإستراتيجي في مرحلة ما قبل الإنقاذ :
1.   تميز بإنه تخطيط قصير المدى ( لمدة سنة وأحدة فقط )  .
2.   إرتبطه بالجانب العسكري بصورة أكبر ( الإستراتيجية العسكرية ) .
3.   كان يركز على التخطيط الإستراتيجي لموازنات المالية للدولة ( تخطيط ديواني )  .
المرحلة الثانية : مرحلة الإنقاذ
جاءت حكومة الإنقاذ إلى الحكم في عام 1989م وقد أحدثت نقلة نوعية في مجال التخطيط الإستراتيجي  وتمد فترتها منذ 1989 إلى الآن حتى ذهب كثير من العلماء إلى أن التخطيط الإستراتيجي في السودان قد بدء في عهد الإنقاذ ، حيث تم وضع عدد من الخطط الإستراتيجية كما تم إنشاء مجموعة من الآليات ، من أشهرها الخطة القومية الشاملة 1992 ـ 2002م والخطة ربع قرنية بالإضافة إلى الخطط الخمسية الفرعية الآخرى .
تحديات التخطيط الإستراتيجي في عهد الإنقاذ
كانت من أهم التحديات التي واجهت التخطيط الإستراتيجي في السودان  في عهد الإنقاذ هو تحدى إيجاد مؤسسات متخصصة تقوم بمهمة التخطيط وقد تم إنشاء المجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي وبسببه تم التغلب على هذا التحدى والآن هنالك نوعين من مؤسسات التخطيط الإستراتيجي في السودان وهي مؤسسات مباشرة وغير مباشرة :
المحور الأول : موسسات التخطيط الرسمية المباشرة
وهي التي أنشأتها الدولة وتخضع لسلطاتها وهي خمسة مؤسسات إنشئت بالمرسوم الجمهوري رقم (34) لسنة 2001م في 29 /مايو 2001م بإنشاء المؤسسات العليا المناط بها إعداد الاستراتيجية ربع القرنية على النحو التالي :
اولأ : المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي برئاسة رئيس الجمهورية ويختص بـ:
1.   تحديد موجهات وأهداف الاستراتيجية القومية
2.   تحديد المجالات القطاعية للتخطيط الاستراتيجي
3.   إجازة الاستراتيجية القومية
4.   إقرار خطط التنمية متوسطة المدى كمرحلة سابقة لاعتمادها من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية
5.   تقويم تنفيذ الخطط ومراجعتها وفق ما تقتضيه أية مرحلة أو أي ظروف طارئة
6.   يصدر المجلس لائحة لتنظيم أعماله
ثانياً : اللجنة العليا للتخطيط الاستراتيجي برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية وتختص بـ:
1.      إعداد مقترح لموجهات الاستراتيجية القومية طويلة المدى بما يتضمن الأهداف والغايات
2.      تكوين لجان قطاعية لإعداد مقترحات الاستراتيجيات القطاعية وتحديد اختصاصاتها
3.      إعداد تصور مبدئي لوثيقة الاستراتيجية
4.      متابعة إنفاذ البرامج
5.      إعداد مقترح البرامج المرحلية لتنفيذ الاستراتيجية القومية
6.      يجوز للجنة الاستعانة في أعمالها بالخبرات الفنية المتخصصة
7.      تصدر اللجنة لائحة لتنظيم أعمالها
ثالثاً :الأمانة العامة للتخطيط الاستراتيجي وتختص بـ :
1.  القيام باعباء السكرتارية العامة لأعمال المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي واللجنة العليا والمجالس القطاعية
2.  معاونة المجلس القومي واللجنة العليا والمجالس القطاعية على أداء مهامها من خلال توفير المعلومات وإعداد الدراسات التي تُكلف بإعدادها
3.      تدوين قرارات المجلس وتبليغها للجهات المختصة
4.  العمل كحلقة اتصال بين المجلس القومي من جهة ومجالس ووحدات التخطيط بالولايات والوزارات من جهة أخرى
5.  متابعة تنفيذ قرارات وتوجيهات المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي واللجنة العليا وإعداد تقارير بموقف التنفيذ
رابعاً : وحدات التخطيط بالوزارات الاتحادية وتختص بـ :
1.      صياغة ما يلي الوزارة في إطار الاستراتيجية القطاعية
2.  متابعة تنفيذ الاستراتيجية والخطط المرحلية وتقويم التنفيذ ورفع تقارير دورية بذلك للجنة العليا للتخطيط القومي الاستراتيجي
خامساً : مجالس التخطيط الاستراتيجي بالولايات وتختص بـ :
1.      اقتراح موجهات الاستراتيجية وأهدافها على المستوى الولائي
2.      اقتراح المجالات القطاعية على مستوى الولاية
المحور الثاني : مؤسسات التخطيط غير المباشرة      
وهي تشمل الجامعات والكليات المتخصصة مراكز الأبحاث والدراسات المهتمة بالتخطيط الإستراتيجي وهي تختص بمد الدولة بالدراسات و المشاركة في وضع الخطط و إصدار التقارير وتقيم خطط الدولة و إقامة الندوات العلمية .
هل تجربة التخطيط الإستراتيجي في السودان ناحجة ؟ .
يمكن الإجابة على هذا السؤال في إطارين :
§                الإطار النظري
يتضح إن الخطط الإستراتيجية في السودان في إطارها النظري جيدة ومحكمة و تتطابق مع كثير من شروط ومتطلبات التخطيط الإستراتيجي  كما توجد عدد من المؤسسات المتخصصة بالإضافة إلى توفر العلماء و الخبراء .
§                      الإطار التطبيقي
وهو يختص بجانب تنفيذ الخطط على أرض الواقع وفيه تبرز مجموعة من الإخفاقات و الفشل في واقع الدولة السودانية  المعاصر وهنالك مجموعة من التحديات التي تواجه واقع ومستقبل التخطيط الإستراتيجي في السودان وهي :
1.    تحديات البناء القومي و الإجتماعي .
2.   تحديات الأمن والإستقرار .
3.   تحديات تحقيق التنمية بمفهومها الشامل .
4.    تحديات المتغيرات و البيئة الإقليمية والدولية .
 مقترحات لإصلاح التخطيط الإستراتيجي في السودان :
      i.            تفعيل دور المجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي بصورة تمكنه من القيام بدوره المطلوب بالإضافة إلى الجهات ذات الصلة  .
    ii.            إعطاء المجلس جميع السلطات القانونية والتنفيذية اللازمة لتنفيذ خطط الدولة .
 iii.            مراعاة عامل التخصص في إختيار وتعيين موظفي التخطيط الإستراتيجي  وعند وضع الخطط الإستراتيجية .
 iv.            دعوة و إستقدام الخبرات السودانية من الخارج ضرورة قصوى لتدعييم ونجاح التخطيط الإستراتيجي في السودان.
 ــــــــــــــــــــــــ
 *عمر يحي أحمد 
* جامعة الزعيم الأزهري كلية العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء، 24 مارس 2015

المسلمين واشكالية الفلسفة العقلية


يتضح إن أعظم شيء في الوجود هو ذلك الكائن الذي يتربع على قمة الطبيعة و الذي أطلق عليه اسم ( اﻹنسان ) ولقد اتفقت كل اﻷراء وإتجاهاتها و اﻷديان ورسالاتها على مبدأ بما ان اﻹنسان هو اعظم شيء في الوجود فإن ( العقل ) البشري هو أعظم شيء في اﻹنسان وكلما ترقى وتطور عقل اﻹنسان تعاظمت على أثاره عظمة الوجود البشري .
دعت معظم الاراء والمفكرين و اﻷديان السماوية إلى ضرورة إستخدام العقل وعدم تجاهله و يبدو جليآ إن العقل البشري برغم قصوره إﻷ إنه هو صمام اﻷمن وعنصر الكمال المرجوه لسد حلقة القصور البشري فالعقل اﻹنساني سبق وجوده وجود اﻷحكام القبلية و القواعد الدينية و المؤثرات البيئية وقد أدرك بعض الفلاسفة هذه الحقيقة ونادوا بها وهنا نشأ هذا التيار الذي أطلق عليه المدرسة العقلية أو الفلسفة العقلية.
الفلسفة العقلية هي مدرسة تدعو إلى أستخدام العقل وإعماله في ما هو كائن وما يجب ان يكون تحت مبدأ ( الظاهرة في ميزان العقل ) ويبدو إن اﻹسلام -كدين - لم يدعو إلى تجميد العقل وركونه وإنما دعا إلى إستخدامه وإعماله ولكن كثير من العلماء المسلمين. - كأفراد - قد دعوا إلى عدم استخدام العقل وتأثروا بالسلفية الفكرية والفلسفة القبلية وكانت من اثار هذه الردة الفكرية واﻹنهزام الواقعي هو تجميد منابع المعرفة و قدرات اﻹنسان كمفكر و العقل البشري كناقد .
بالنظر إلى نصوص اﻵيات و مدلوﻷت اﻷحاديث وفرضيات العرف يتضح مدى تعظيم اﻹسلام إلى العقل البشري و التفكير اﻹنساني. لقد تأثر كثير من علماء المسلمين بمبدأ السلفية الفكرية حتى في بعض الحركات اﻹسلامية الفكرية التنويرية و المعاصرة فلم يستخدموا العقل - كمنبع للفكر - تستقى منه القواعد و المبادئ ولم يدعوا عوام المسلمين إلى أستخدامه فكل من أستخدمة عقله في اي قضية معاصرة او لمواجهة واقع اﻷمة أو فقه الواقع يعتبر ( كافر - ملحد - زنديق - متآمر ...الج.
إن لمفهوم العقل في اﻹسلام قواعد و لمبدأ العقلية. في اﻹسلام حدود وللحدود تصورات و لكل تصور منطلق. ولكل منطلق واقع و الواقع متغير ومتغاير و اﻹسلام ذات أصول ثابتة وهنا تبرز أهمية العقل لتوفيق بين السلفية. والخلفية و الواقع و معالجة عنصر الدين و التدين.
يبدو ان من أهم المشكﻷت التي تواجه الفرد -كإنسان مسلم - لﻹسلام وبإعتبار اﻹسلام منهج للحياة يكمن في تلك الحواجز التي يضعها العلماء المسلمين أو المتأسلمين بين الفرد و قواعد اﻹسلام و خصائصه لذلك يجب إن نميز بين الفلسفة العقلية في مفهومها المجرد وتصورها في اﻹسلام
وأخوف ما يخاف المرء على أمته اﻷئمة المضلين ! .



تستمد كينونة الوجود الكوني في معرفة مجهولات جوهر الوجود والذي يبدو انه يتمحور حول المعرفة فهي ثمرة التقابل بين ذات مدركة وموضوع متدارك، وتتميز عن باقي معطيات الشعور من حيث إنها تقوم في آن واحد على التقابل والاتحاد الوثيق بين هذين الطرفين. والمعرفة بهذا الشكل هي التي تحصل للذات العارفة بعد اتصالها بموضوع المعرفة لتنتقل بذات الإنسان من اطر العقل اللاهوتي الي المتفزيقي حتي تصل الي موضع وضعية العقل البشري كما تطلق نظرية المعرفة على البحث في إمكان المعرفة البشرية، وفي مصادر هذه المعرفة أو الطرق الموصلة إليها والمعرفة تستمد من بيئة الفرد وتركبيته الفيزيولوجية والمادية ومن هنا برزت اطروحات فلسفية متغيرة ومتغايرة مثل الفلسفة الاسلامية والغربية تدور المعرفة في التصور الإسلامي حول محورين رئيسيين:
1/رفض النزعة الشكية و"الاعتقاد اللاهوتي:
يرفض التصور الإسلامي التعميمات الغربية حول حتمية تحصيل المعرفة عن طريق المنهج التجريبي، وإلا فإن ما لم يحصل من خلال هذا المنهج فهو موضع للشك، وفي ذات الوقت يتعامل التصور الإسلامي بشكل مختلف مع مفهوم الاعتقاد " حيث يُفسر هذا المفهوم في الفلسفة والفكر الغربي بأنه فعل أو عزم به يعقد المرء النية على أن يقبل كشيء صادق ما يمثل عقبة للعقل. في حين يقدم التصور الإسلامي مفهوم اليقين كمرادف لمفهوم الإيمان؛ حيث القضايا الإيمانية هي صادقة في الواقع، وصدقها يحيط به العقل، أي يفهمه ويقبله يقينًا.
2/التوحيد من حيث هو مبدأ للمعرفة:
إن الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته تعالى هو المبدأ الأول للإسلام، والوحدانية هي نقطة البحث عن الحقيقة أو المعرفة في الفكر الإسلامي؛ حيث إن وجود الله تعالى وإرادته وأفعاله هي الأسس الأولى التي يقوم عليها بناء كل الكائنات وكل المعارف وأنظمتها.
مصادر المعرفة في التصور الإسلامي:
1 - الوجود: يؤكد الخالق -عز وجل- على دور الحواس في اكتشاف المعرفة المحيطة بالإنسان، كذلك النظر العقلي والتأمل والتفكر في الكون ومكوناته، كما دعا الخالق -عز وجل- إلى عدم تقليد السابقين، لأن التقليد يُعطل العقل عن البحث وإدراك الحقيقة.
2 - الوحي : يتميز الوحي عن الوجود كمصدر من مصادر المعرفة في الفكر الإسلامي بأنه يدرك الحقيقة المطلقة أو يدرك الأشياء على حقيقتها بشكل منزه عن الخطأ. ويقدم الوحي معارف متنوعة؛ إذ يقدم -منفرداً عن كل وسائل المعرفة التي تندرج تحت مصدر الوجود- معرفة تتعلق "بالغيب"، ومعرفة تتعلق بالقوانين الطبيعية في الكون، ومعرفة تتعلق بالسنن الحاكمة للوجود الإنساني.
وتتميز المعرفة في التصور الإسلامي بعدد من السمات البارزة
1 - عدم الفصل بين المعرفة والعمل: إن المعرفة في الرؤية الإسلامية ليست غاية في حد ذاتها، ولكن لا بدّ أن تلحقها مرحلة أخرى تتمثل في السلوك أو العمل.
2 - تكامل المعرفة: التصور الإسلامي للمعرفة متكامل لا يعرف التنافر، ولا يحتوي على القطيعة المعرفية بين أجزائه؛ فهناك تكامل بين الوجود والوحي، وتكامل بين النظر والعمل، وتكامل بين المعرفة العلمية والمعرفة الغيبية، وكل ذلك نابع من تجليات مبدأ التوحيد في وحدة الحقيقة.
ولقد كان ذلك على العكس من التجربة الغربية التي حدث فيها التعارض والتنافر بين المعرفة العلمية والمعرفة الميتافيزيقية الدينية.
3 - الإنسان هو خليفة الله في الأرض: من بين العناصر الهامة التي تشكل التصور الإسلامي للمعرفة تحديد مركز الإنسان من العالم باعتباره حاملاً للأمانة الإلهية مما جعله خليفة لله في أرضه، وأن مضمون الخلافة هو إعمار الكون والإصلاح فيه وعبادة الله سبحانه وتعالى -
نقاط التباين بين التصور الإسلامي وتصورات الفلسفة الغربية للمعرفة
ويلاحظ بوضوح وجود اختلاف بين التصور الإسلامي للمعرفة والتصور الغربي بحيث يبدوان كطرفي نقيض، ويتمحور هذا التباين حول مصادر المعرفة وطبيعتها وغايتها. فمن ناحية، بينما تنحصر مصادر المعرفة الغربية في الوجود تمتد المصادر الإسلامية لتشمل الوحي، وبناء على ذلك فإن المعرفة لدى الفكر الغربي محدودة وقاصرة على الجانب المقابل للملاحظة، وإن كانت لدى التصور الإسلامي تشمل الجوانب الغيبية. ومن ناحية ثانية: نجد أن غاية المعرفة في التصور الإسلامي هي التقرب إلى الله وعبادته، والإفادة من الطبيعة بالقدر الملائم؛ لكنها في التصور الغربي تهدف إلى قهر الطبيعة والسيطرة عليها.
وفى الواقع فإن النظرة الشاملة للمعرفة في الفكر الغربي تجعل من الإنسان سيدًا للكون، حيث يشغل مركزه، وفكرة مركزية الإنسان للكون هذه تعبر بالفعل عن مأزق التمركز حول الذات الذي يعاني منه التصور الغربي، ولا يمكن الخروج منه إلا بالرجوع إلى الفكرة الصحيحة عن الإنسان؛ وهي فكرة الاستخلاف في التصور الإسلامي، فالإنسان /الخليفة سيد في الكون، أما سيد الكون فهو الله، والمنظومة التوحيدية تقوم على المسافة بين الاثنين، فالله متجاوز ومفارق، والإنسان مستخلف في الدنيا ويرشده الوحي ولربه الرُجعى في الآخرة، والتي هي موضوع من موضوعات المعرفة مصدره الوحي دون غيره لتعطل أدوات المعرفة الأخرى في هذا المضمار.
ولا يمكن فهم نظرية المعرفة في الإسلام إلا بهذا التركيب والبناء، مع فصل مصدر المعرفة عن حجيتها، فالحدس والإلهام مثلاً مصادران للمعرفة، ويلاحظ أن استخدام الحدس في الوصول للمعرفة قد عرفه الصوفية في الإسلام؛ حيث يرون أن المعرفة العقلية وإن كانت أكثر رسوخًا إذا ما قورنت بالمعرفة الحسية، إلا أن العقل له مجال محدود لا يتجاوزه، ويأتي دور الحدس في اختراق ما وراء العقل، والحدس لدى الصوفية هو نور يقذفه الله في قلب الصوفي، بيد أن الأحكام الشرعية لا تبنى عليهما. وللفقهاء والأصوليين أقوال نفيسة مفصلة في هذه المسائل على الباحث المهتم العودة إليها

الانتخابات السياسية مدخل فلسفي


على إمتداد تاريخ الوجود الكوني كان ولا زال اﻹنسان يعاني من اﻹستبداد ويسعي إلى السلطة ويتطلع إلى الحرية ومابين هذه المتناقضان الثلاثة برزت عدد من الطرق والنظريات و اﻷساليب التي حاولت جاهدة لتوفيق يين اﻹستبداد والسعي إلى السلطة والتطلع إلى التحرر وكانت طريقة اﻹنتخابات هي أهم الطرق التي وجدت قبوﻵ من معظم المجتمعات ﻷنها تختار الحاكم و تحدد صلاحياته ومدة حكمه.
الحكومات مثل اﻷدوية إذا لم تعرف تاريخ إنتاجها ومدة صلاحيتها فإنها حتمآ ستكون فاسدة ومن هنا إستلزم اﻷمر إن تكون هذه اﻹنتخابات " دورية ومستمرة " وقد كانت الديموقراطية - كنظام سياسي - و اﻹنتخابات السياسية - كطريقة ﻹختيار الحكومة - تتم بصورة ثلثة و كانت أكثر شفافية و عدالة ولعل أهما هو ذلك النظام الذي كان يعرف باسم الديموقراطية المباشرة أو البسيطة التي نشأة في المدن اليونانية القديمة .
وقد إستطاع - الساعون وراء السلطة والنفوذ - من تحويل اﻹنتخابات السياسية كطريقة ﻹختيار السلطة السياسية إلى طريقة لسيطرة على المجتمعات وهذا بدوره أدى إلى زيادة نطاق الديموقراطيات المستنسخة و قدرة السياسين على الغش والخداع وقابلية المجتمعات لتأييد والتصديق ودور الدعاية السياسية كوسيلة للتبرير .
بالرغم من هذه الحقيقة يعتقد السياسين إن الدموقراطية هي أفضل نظام للحكم وإعتبار اسلوب اﻹنتخابات أنسب طريقة لقياس مدى تطور المجتمعات و وعيها إﻷ إن الواقع يبرهن مدى إكزوبة هذه اﻹطروحة فالمجتمعات التي تؤمن بإنتخابات محصورة اﻷشخاص معلومة النتائج مكلفة اﻹقتصاد هل هي مجتمعات وآعية ؟.
إن إنسان عصر الهيمنة السياسية ومواليد برج الديموقراطية أصبح يعيش في حالة تتأرجح بين ثلاثة قوى: بين قوى الذات التي يجب إن تتحقق ، وقوى الطبيعة التي تدمر ، وقوى السلطة السياسية التي تنتخب ففي الوقت الذي تصبح فيه اﻹنتخابات السياسية وسيلة لتوفيق بين هذه القوى الثلاثة يمكن للمجتمعات إن تسمى نفسها مجتمعات وآعية .

الإنسان وفلسفة الوجود


يأتي اﻹنسان إلى الحياة وهو غير مستعد للوجود فيها ثم يذهب عنها وهو غير مستعد لﻷخرة ﻷن قرار وجود اﻹنسان في الحياة و ذهابه هو قرار لا إرادي تتخذه سلطة تعلو على قرارات اﻹنسان الذاتية لذلك عندما يولد الطفل فإنه يبكي ويصرخ تعبيرآ عن رفضه لهذه الحقيقة ومن هنا أصبح البكاء والصراخ أول الطرق التي يستخدمها اﻷفراد لتعبير عن اﻷشياء التي لا يرغبون فيها .
لم يقف اﻹنسان مكتوف اﻷيدي أمام فلسفة وجوده الﻷ إرادي في هذا الكون عندما أدرك إن قضية وجوده في الكون أصبحت واقع وحقيقة حتمية شاء اﻹنسان أو أبا لنقف قليﻵ. ! ! ! !
فكيف كان سيكون حال الكون إذا لم يوجد اﻹنسان ؟.
وكم عدد اﻷفراد في الوجود إذا كان بمقدور اﻹنسان إن يقرر برغبته وجوده أو عدم وجوده ؟.
لماذا يقف اﻹنسان عاجزآ عن معرفه طبيعة الوجود ونماويس الكون وأسرار اﻹستخلاف وغاية الحياة ؟.
تستمر تساؤلات اﻹنسان حول ذاته و وجوده و ما بين هذه التساؤلات أصبح واجبآ على اﻷنسان تخطئ واقع الوجود والنظر في فلسفة ما وراء اﻹنسان و مرحلة ما بعد الإنتخاب الطبيعي الذي فرضته قوى الطبيعة وفي هذا الرحلة اﻹستكشافية لمعرفة وتحليل فلسفة الوجود سلك اﻹنسان مسلكين متضادين :
مسلك التأقلم ومسلك اﻹكتشاف وتتضح حقيقة حتمية تقف في بداية اﻹتجاه اﻷول - مسلك التأقلم - وتنتهى في خواتيم اﻹتجاه الثاني - مسلك اﻹكتشاف ما بين هذين المسلكين تبرز حقيقة تناقض اﻹنسان في تفسير وجوده و تخطئ ما وراء اﻹنسانية .

في مسلك التأقلم أصبح اﻹنسان يعيش حياته بصورة حتمية لا إرادية جاهﻵ لحقيقة وجوده و مؤمنآ بوجوده في ذات الوقت وهو متأقلم مع هذا الوضع الﻷ إرادي وهي مرحلة اﻹنسان الﻷ هوتي - من منظور فلسفة أطوار الفكر البشري - فأصبح اﻹنسان يأتي إلى الحياة - فلسفة الوجود - وهو جاهل بها ويغادر الحياة - فلسفة الموت والفناء - وهو أكثر جهﻵ بها فما هي حقيقة وجود اﻹنسان بين فلسفة الوجود و الﻷ وجود.
وفي المسلك الثاني مسلك اﻹكتشاف علم اﻹنسان بإن له مقدرات يستطيع من خلالها إكتشاف ما حوله ومعرفه جوهر وحقيقة وجوده وهنا استطاع اﻹنسان إن يكتشف القراءة والكتابة و الزراعة والصناعة وكل اﻹشياء التي إكتشفها اﻹنسان ولعل المشكلة تكمن في مدى قدرة إكتشافات الإنسان على إجادة تفسير لماهية الكون والوجود فهل تستطيع هذه اﻹكتشافات إن تحد من ظاهرة وجود اﻹنسان في نماويس الكون بصورة لا إرادية ! ؟ .
ولما عجز اﻹنسان عن معرفة طبيعة وغاية وجوده كان بإمكانه إن يحل كل مشاكل الكون والوجود بما فيها القدر
ولكنه إنسان جاء به القدر !

الجمعة، 27 فبراير 2015

العلاقة بين الخليج العربي و القرن الأفريقي



أثر الموقع الجغرافي بين قارتي أفريقيا وآسيا على المنطقتين؛ فأوجد علاقة تراوحت بين الحرب والسلم على هذا يذهب كثير من العلماء إلى إن سبب العلاقة بين الدول والمناطق يعود إلى كثير من الأسباب مثل العوامل التاريخية ، الدينية ، التجارة ، المصالح المشتركة وما إلى ذلك من العوامل التي تجتمع حولها البشرية ، الناظر إلى طبيعة العلاقة بين القارة الأفريقية وقارة آسيا بصورة عامة ؛ يجد إنها علاقة ترتبط بفترات تاريخية قديمة إذ كانت العلاقة بين قارتي أفريقيا وآسيا هي علاقة قديمة فإن العلاقة بين القرن الأفريقي والخليج العربي هي علاقة بالغة الخصوصية ، إذ إن كثير من الدراسات توضح إن منطقة القرن الأفريقي كانت في رقعة أرضية وأحدة مع الخليج العربي فحدث الإنشقاق الذي برز على أثره الإخدود الأفريقي العظيم الذي أصبح يفصل بين قارة أفريقيا وشبه الجزيرة العربية (1).
   
يفصل البحر الأحمر بين منطقتي القرن الأفريقي والخليج العربي ، وتتصل في منطقة باب المندب بالرغم من إن البحار تعتبر سبباً للفصل بين الشعوب إلأ إن البحر الأحمر لم يقف حائلاً أمام التواصل بين العرب والأفارقة (ترتبط أفريقيا مع قارة آسيا عبر الطريق البرى في مصر عبر سيناء فهو الطريق البرى الذي سلكه العرب للاتصال مع أفريقيا على مر التاريخ شهدت منطقة الخليج العربي هجرات متتالية من القارة الأفريقية ،كذلك عرفت منطقة الخليج هجرات عكسية من أفريقيا .

تاريخ العلاقات الخليجية الأفريقية

إمتدت  العلاقة بين الساحل الأفريقي مع الجزيرة العربية إلي فترة ما قبل الميلاد بمراحل سبقت تكوين الدولة القومية في المنطقتين ظل محور التجارة هو عنصر الإتصال بين العرب والأفارقة مع الأخذ في الإعتبار إن بيئة العرب كانت تساعد على النشاط  التجاري  بصورة أكبر شكلت هذه التجارة أولى حلقات التواصل بين العرب والأفارقة ثم نتاج لعوامل داخلية وخارجية نتجت عنها حالات حرب " مما دفع العرب إلى عقد معاهدات مع دول الجوار ( الروم ، الفرس ، الحبشة ) بهدف المحافظة على التجارة خصوصاً تلك التي تأتي من البحر الأحمر إلى الحبشة والصومال بواسطة السفن "(3) مثلت التجارة محور تنافس بين القبائل العربية نفسها ، كانت تسعي هذه القبائل إلى توثيق صلاتها مع الحبشة  .

إعتبرت العرب إن هذه العلاقة هي أنجح وسيلة لإضعاف مركز قريش السياسي ، الإقتصادي ، العسكري، إستمرت هذه العلاقة إلى أن جاء الإسلام فأخذت العلاقات شكل آخر ، توافدت الشعوب الأفريقية إلي منطقة الجزيرة العربية حتي حاول ( أبرهة الحبشي ) غزو بلاد العرب والسيطرة عليها كلها ، مع بدايات الدعوة الإسلامية عندما إشتدا أذى المشركين بالرسول صلي الله عليه وسلم واصحابه ؛ أمرهم بالهجرة إلى النجاشي ملك الحبشة (1)، مثلت هذه الهجرات أكبر الأثر على العرب ونقطة تحول أخرى في مسار العلاقات ، ظلت هذه الهجرات متواصلة إلى شرق أفريقيا مع تمكن الدين الإسلامي في الجزيرة العربية إستطاع العرب إن يأسسوا لهم دولة إسلامية في منطقة القرن الأفريقي .

تواصلت الهجرات العربية إلى منطقة القرن الأفريقي بصورة أكبر في فترة الدولة الأموية التي تميزت بالظلم والبطش(2)، أخذت دوافع الهجرة أبعاد أخرى مثل : البُعد الديني ، السياسي، إستمرت حتى جاءت فترة الإستعمار مع بدايات القرن التاسع عشر في كل من قارة أفريقيا ، آسيا حرص الإستعمار في هذه الفترة على الربط بين مصالحه من خلال الربط بين المستعمرات ، فبريطانيا إحتلت أجزاء من دول الخليج و أجزاء من القرن الأفريقي مما جعلها تربط بين المنطقتين ، تلت هذه الفترة ظهور فترة أخرى بعد نيل الدول لإستقلالها لتدخل العلاقة بين المنطقتين مرحلة جديدة فرضتها طبيعة النظام الدولي فلم يعد هنالك فصل بين المصالح الداخلية والخارجية .

شكل العلاقة بين القرن الأفريقي والخليج العربي

    يدور شكل العلاقة بين القرن الأفريقي والخليج العربي حول ستة محاور رئيسية :

أولأ : علاقة جغرافيا تاريخية

يرجع تاريخ العلاقة بين المنطقتين إلى فترات طويلة بفعل التقارب الجغرافي الإقليمي الذي أبرز أهمية كل منها للآخر، فأهمية القرن الأفريقي تبرز من خلال تغلغله مع الخليج العربي(3) " يأتى الموقع الجغرافي في مقدمة المقومات التي تصنع الخصائص المؤثرة على الوحدات السياسية أو الدول فهو يؤثر بصورة مباشرة في تحديد دور الدولة سلباً وإيجاباً في مسار العلاقات الدولية (4).

ثانياً : علاقة عرقية ثقافية

     تظهر في شدة التشابه العرقي واللغوي الثقافي بين الشعوب الناطقة باللغات السامية ( العرب ، الأمهرا  التيقراي ) تنتشر هذه الشعوب في السواحل الشمالية والشرقية لأفريقيا تتكون من ( الصومال ، الجالا ، العفار ، بعض الأريتريين ، البجا ، النوبين ) هذه التشابه جعل بعض الباحثين يرجحون أصل هاتين المجموعتين إلى أصل وأحد ، كما يبدو أن نسبة العرب في أفريقيا أكبر من نسبتهم في قارة آسيا إذ تقدر بحوالي 75% (1) ، يوجد تأثير لغوي كبير مع تقارب في بعض الألفاظ كما ذكر الإمام بن الجوزي أن هنالك كلمات في القرأن الكريم أصلها من اللغة الحبشية (2).

ثالثاً : علاقة إقتصادية

على المستوى الرسمي توجد كثير من الإستثمارات الخليجية في منطقة القرن الأفريقي  خصوصاً في المجال الزراعي كما هو الحال في السودان ، أما الجانب الإقتصادي المهم فهو مرور ناقلات النفط الخليجية عبر شواطئ القرن الأفريقي تمثل كذلك منطقة الخليج سوق للعمال بمختلف تخصصاتهم .

رابعاً : علاقة سياسية

    قامت العلاقات السياسية العربية بصورة عامة علي الإعتبارات الأتية :
ـ تدعيم العلاقات السياسية الدبلوماسية في المحافل الدولية .
ـ دعم حركات التحرر الأفريقية والقضية الفلسطينية.
ـ مواجهة التغلغل الصهيوني في القارة الأفريقية (3).

خامساً : علاقات دينية

إن ظهور الإسلام كدين شامل قد حول شكل العلاقة بين القرن الأفريقي والخليج العربي من علاقة تقوم على المصالح فقط إلى علاقة مبنية على نصوص دينية فأصبحت العلاقة ( علاقة مقدسة ) ، يزهب كثير من المحلليين إلى إن المتغير الديني في العلاقات العربية الأفريقية هو أكثر أشكال التأثير العربي على الأفارقة على الإطلاق ؛ إذ إن أعداد الأفارقة الذين دخلوا في الإسلام أكثر من الأفارقة الذين يتكلمون اللغة العربية  كما إن الدين الغالب في منطقة القرن الأفريقي هو الدين الإسلامي ، يضاف إليه الوزن والمكانة الدينية للمملكة العربية السعودية بإعتبارها مركز الأسلام ، فيما تشترك بعض دول القرن الأفريقي مع دول الخليج في منظمة المؤتمر الإسلامي .

سادساً : علاقة عسكرية أمنية

  هنالك عدد من الإعتبارات التي تفرض وجود علاقة بين القرن الأفريقي و منطقة الخليج العربي في جانبها العسكري والأمني مثل :

      ـ إعتبارت الجوار الجغرافي .
      ـ  متطلبات الأمن الإقليمي .
      ـ مكانة القرن الأفريقي للأمن القومي العربي .
      ـ الأهمية الأستراتيجية والعسكرية للبحر الأحمر .
      ـ توسع مفهوم الأمن القومي .
      ـ  مشكلة القرصنة البحرية في البحر الأحمر .
      ـ دور القرن الأفريقي في الصراع العربي الإسرائيلي



.